المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ثابت Headshot

ماذا تريد جماعة الإخوان في مصر؟ "5" "اللوائح والواقع"

تم النشر: تم التحديث:

النفوس السويّة المحبة لتقدم البشرية، لا جماعة ولا أفراد ولا دول، النفوس الطيّعة لحكم ربها الصافية لا تحتاج إلى كثير قوانين، وبالتالي لوائح، وما كثرت المواد والبنود والدساتير والشروح إلا لما قل الوازع داخل النفوس، وأخذ الفساد يُشكلُ جزءاً ليس بالقليل من تكوين البشر، وبالتالي من تصرفاتهم وظلمهم لبعضهم.

حدث هذا ويحدث في التعاملات اليومية في المجتمعات التي طغتْ المادية عليها، وجعلتها أقرب للاستهلاكية والسعي خلف "نهش" كل ما تصل الأيدي إليه، ومن هنا تعددت القوانين، وتم التوسع فيها، ووضع كاميرات المراقبة في كل حيّز ممكن من الشوارع والمحلات والبيوت وأماكن تجمع البشر.

لكن إذا كنا نتحدث عن "جماعة" مثل جماعة الإخوان المسلمين فالأمر مختلف تماماً، فالأصل هنا الانضباط في الفرد، وعدم الاحتياج إلى كثير لوائح وتتبع للسلوك، إذ إننا نتحدث عن جماعة الأساس فيها اختبار ومحددات لترشيح الفرد، وتقنين عدد الداخلين إليها، بمعنى أن الجماعة ليست مجتمعاً من المجتمعات العشوائية أو الاعتيادية، تعاني مما تعاني منه هذه المجتمعات، بل إنها تحتوي مجموعة من الأخيار يسعون لإقامة مجتمعات متكاملة تسعى بأمر الشرف والنزاهة إلى خدمة البشرية، وعلو قيمتها ورفعة شأنها، وجعل الإنسان، أيّاً ما كان اسمه ولونه وعنوانه، وجنسه وعنوان تميزه واختلافه عن الآخرين، وجعل الإنسان قمة اهتمامها.

تلك أبرز خطوط "ماهية" الجماعة المنتشرة في أدبياتها، وهي فكرة لو يفهمها كل عاقل نزيه يريد لحياته ألا تكون محصورة بفترة زمنية، يولد في تاريخ ويموت في آخر، وتتقاذفه الحياة هنا وهناك، ولا يستطيع في النهاية جمع المُتسرب من عمره، ويشعر بأنه عاش لحيظات بالغة القصر، فلم يفد نفسه لحظة الوفاة، إذ تضيع وتتسرب من بين لديه جميع تفاصيل العمر، ويبقى لديه إيمانيه بأنه قدّم لدار أخرى، أياً كان انتماؤه الإيماني، ثم إنه أبقى على الأرض علامة تدل على أنه "مرّ من هاهنا إنسان": فرح وتألم، ولكنه ترك ذكرى كالمصباح، أيّاً ما كان ضوؤه للبشرية، وهذا سر تكوين بيت أحمد شوقي:
قف دون رأيك في الحياة مجاهدة .. إن الحياة عقيدة وجهاد

"1"

الأهداف العظيمة تُشكلُ نفوساً أكثر نبلاً وتفوقاً على الذات البشرية، وليس معنى الكلمات السابقة واللاحقة إثبات أمرين، فلا نحن هنا بصدد افتراض وجود ملائكة فوق ظهر هذه البسيطة، ثم إننا لا نزين أهداف ومبادئ الجماعة، وإنما نحن نحاول فهمهما على هذا الوجه الأمثل، وهو أمر يخص الفكرة.. نبض مختلط بالتكوين يتبع محبة رب العزة تعالى، وبعد المُسلمتينِ والمقدمة جاء دور "النقاط المحورية" لهذا المقال:

1ـ لما أنشأ الإمام حسن البنا الجماعة لم يبادر باللوائح المنظمة لتكوينها، بل الثابت أنه (رحمه الله) أقر لائحة لموظفي ومستخدمي المركز العام للإخوان عام 1945، وأخرى في 8 من سبتمبر من نفس العام للإخوان كنظام أساسي للجماعة، أي قبل وفاته بأربع سنوات فقط، وبعد 17 عاماً من العمل الدؤوب داخل الجماعة، وهي دلالة لا تخفى على أحد من الرجل الذي رفض تأليف الكتب، وقال لأبيه: إنما أحب "تأليف" الرجال!

2ـ النفوس أيام الإمام البنا كانت أكثر صفاءً، هذا يخص وضوح الرؤية وحسن اختيار البنا نفسه للعناصر التي يقبل بها، ومع ذلك فلائحة المركز الرئيسي التي وضعها تنص على أن "الأخ مميز في خلقه وعمله"، الأمر شبه طبيعي إذ إن هناك "أخ" حتى في وجود البنا ليس مميزاً، وهناك غيره، وإنما ملكة حسن الاستغلال تلك كانت المُميزة، فكان البنا يحسن اختيار المناسب في المكان الأنسب.

3ـ ولكننا مع مرور الزمان، وتطور الأمور صارت هناك نماذج لافتة للنظر، وفي حياة البنا نفسه، ورحم الله الشيخ محمد متولي الشعراوي لما شهد في كتاب "الشعراوي الذي لا نعرفه" لسعيد أبوالعينين أنه رأى في أمسية طويلة من أمسيات 1938 الراحل عبدالرحمن السندي 1918- 1962، رئيس التنظيم الخاص للإخوان "يَزّقُ" البنا فيكاد الأخير يسقط لولا أن تحامل على بعض المحيطين به، والتعبير وقصة الشعراوي تعبير عن رفض السندي لأوامر البنا (رحمهما الله).

4ـ ومع الوقت وأمراض النفوس التي قيل إن الإخوان جزء من المجتمع يؤثر ولكنه يتأثر به، وتلك مقولة خالدة اليوم، صارت الجماعة تُدني أهل الثقة على حساب أهل الكفاءة، ولو كان بنفوسهم ما بها من السوءات والعيوب الشديدة، ولعل موقف الجماعة اليوم يساوي هذا الأمر تماماً، فإن أناساً تم الزجّ بهم في قلب الجماعة ممن يعانون من أمراض خُلقية وسلوكية لا يجوز القبول بها أو التهاون معها، يدفع للعجب الشديد، وأحياناً الريبة، فالبعض، أيّاً ما قلّ عدده، على أحسن الفروض لا يصلح لأن يكون إنساناً من الأساس!

5ـ ومع الوقت والتسليم بوجود أمثال هؤلاء فقد استدعى ما بداخل نفوسهم وسوء تصرفاتهم الانقلاب، ويقال لك في أدبيّات الإخوان اليوم إن الانقلاب استدعى أسوأ ما في نفوسنا، والحقيقة فإن أسوأ ما في نفوس وتصرفات الإخوان استدعى الانقلاب.

ويكفي أن جماعة عاقلة زجت بنفسها في معترك الرئاسة دون قدرة أو أدوات وظنت أنها منصورة، وأنها قادرة على بناء نسق من الطهر والشفافية على أنقاض دولة مبارك، وقد أخبرني مّنْ لم يصرح لي بذكر اسمه بأن قيادة كبرى بالجماعة، هي التي اختارت الزج بها في "مستنقع" الرئاسة، ودفع بالأمور دفعاً وكان - فكّ الله أسره - شديد الوثوق بقدرة وملكات الجماعة للاستمرار في الحكم وتجاوز صعوباته مهما كانت، في الوقت الذي كان فيه رجل آخر تم "الزج" به في الموقف، عن غير رغبة أو إرادة أو حتى موافقة منه، فيما كان الثاني - فك الله أسره وأبقاه صامداً - يثق ثقة متناهية بأجهزة الدولة، وإن استدعت الثقة فيما بعد العصف بحياة مئات الآلاف من المصريين.

6ـ عقب الانقلاب أقر مثل صاحب هذه السطور بأن الجماعة لابد لها من مراجعة لنفسها، ومبقية على ما تبقى منها، ومعملة لفكرها، وما أمر المهجر منها إلا استعداداً ولملمة للصفوف، وقدحاً للأفكار، لكن الأيام أثبتت غير هذا تماماً.

البعض يمارس السفاهة وقلة الذوق والخلق عياناً بياناً وأمام الجماعة، فيما لا تملك الأخيرة أن تردعه، وأحياناً يشك المرء في أن الجماعة إنما تسلّط أمثال هؤلاء على الآخرين ممن يختلفون معهم، أياً ما كان أدب الأوائل وذوقهم في طرح الخلاف، واعتماد نزاهة الرأي، وأمثال هؤلاء المُتعدين، وقد تعدى الأمر إلى احتضان عناصر ضارة سلوكياً، وإصدار تصرفات بلا رقيب أو حسيب أو وازع من دين أو خلق، وهؤلاء يسببون المآسي اليوم وتبقيهم أطراف الجماعة واحدة بعد أخرى لأغراض في النفوس.

7ـ أما المتصدرون للمال العام الخاص بالجماعة و"الغَرف" منه فحدث ولا حرج، أفراد أتوا بالانتخابات بجمعية عمومية انتخبتهم ثم آثروا بعد مجيئهم وحصولهم على مفاتيح خزائن المال، وهو مال خيري من تبرعات بالمناسبة، أن يأخذوا السلم معهم إلى أعلى، ويعلنوا ألا جمعية عمومية ثانية وأن اللائحة التي أقروها تأبيدية، وأنهم كالفراعنة في الحكم، وأقول في الحكم فقط، لا أحد يذبذبهم من أماكنهم، فلماذا عبتم على الانقلاب وقائده إذن وأنتم تفعلون مثله سواءً بسواء؟

8ـ والقصص على قلتها قيمتها كبيرة، واحد ممن يَبقون بالجماعة بـ"الباع والدراع" تم اتهامه في ملايين بمصر، فهرب ممارساً البلطجة في قلب الجماعة، وعندما تحاول إقصاءوه من الباب يثب لها من الشباك، وحين تقول الجماعة له: أين المال؟ يقول لها ما معناه هذه مستندات إجرامي فنحن "دفناه معاً".

9ـ سمّها تصرفات فردية أو ما تشاء، لكني أعرف مُعوزين إلى القرش والسنت لا يجدون سائلاً عنهم، وقلة من الجماعة ترفل في المال، عبر قلة تهربه يميناً ويساراً.

"2"
لاح يلوح لائحة


الكل يصمم على وجود لائحة، والبعض راقي الفكر يريدها لتصفية المخطئين، وهو حينما يذهب إلى الاتجاه المضاد، ويحاول التعديل على الجماعة في حالها الرسمي الأول.. يأخذهم معه، ثم يقول لائحة، يا هذا، مع الاحترام لإخلاص بعضهم، أنت تضرب باللائحة التي تريدها عرض الحائط عندما تأتي بالسارق وغيره إلى رحابك وحياضك، بل تجعلهم مُمولين لحراكك، أفلا نتقي الله في جماعة أفرادها يعانون محنة ليس بعدها محنة؟ والانقلابيون يأكلون كبدها في مصر فيما القصور وسوء التصرف والأهواء تأكل فيها أكثر في خارجها، أين الله منكم؟ وأنتم تتحدثون في لوائح حبر على ورق، ويبلغ بعضكم عنكم وهو في قلبكم وفيكم، وأشهد الله أن لديّ أكثر لن أقوله!

"3"

لو أن الإخوان المسلمين اليوم عملوا بحديث واحد لكفاهم: "حب لأخيك ما تحبه لنفسك"، وما احتاجوا إلى لوائح أو "ديالو"، يا سادة الناس تموت وتختفي في مصر فيما أنتم تختلفون حول المال وسوء الخلق هنا وهناك، هذا من قبل البعض الذي يملك ويقدر، أما الغالبية فمغلوبة على أمرها لا تستطيع حراكاً أو فكاكاً منكم، ولدينا اليوم في "عرس إخواني" فريد إخوان يتم تعينهم في مؤسسات يُقال لها إخوانية ثم هم أعضاء مجلس شورى بدرجة دُنيا منهم بنفس الجماعة، والبقية تأتي، وموظفون برتبة مسؤولين يقولون نعم على طول الخط.

ولدينا بعض عقول توقفت عن العمل راضية بالموت والخطف والتشريد للآخرين، فيما هي تفعل ما يندى له الجبين، ومن يشير إلى الطريق وصحته، البعض يأخذ حقه منه، عبر وصلة من سوء اللفظ تشك في آدميته وآدمية من حرّضه! والحال في مصر كما خارجها والجبهتان هنا وهناك على حد سواء، ولا عقلاء قادرين يسألون أنفسهم فقط: وماذا بعد؟

"4"

لما رأى الشيخ الشعراوي نذراً لم يرضه في عهد البنا اعتزل الجماعة تماماً، وأبقى الفكرة في داخل نفسه، ويبدو أن هذا هو الحل اليوم، ولن يصلح اقتلاع جزء الشجرة وزرعه، الشجرة الأصل الأم، ولا البناء على الجماعة بجماعة من ناحية مختلفين أوغر سابقوهم صدورهم عليهم، ولا يقولن لي أحد إنه سعي لله.

فمن الواضح أن المنضوين تحت لواءات جديدة، وقد اختلطت الجبهات والأسماء في مصر وخارجها، لا يقولن لي أحد إنما لم يدفعه الغيظ، هؤلاء يغيظون أولئك، والأخيرون يحاولون حلاً بجبهات جديدة، فيما الأوائل متمسكون يرون أنهم ورثوا الجماعة، والناس تعاني أشد المعاناة في المنتصف، أفلا تتقون الله جميعاً فيهم، وتتخذون قرارات تعيد صفكم إليكم، وتنفون الخبثاء المفسدين، وتفكرون في حل لأزمتكم!

قرر الشعراوي الاستقالة، ويبدو أن هذا هو الحل اليوم لما اختلط الحابل بالنابل، وقليل المجرم بالصف المغلوب على أمره، ولما لم يأذن رب العباد بوجود أناس، ضنّ بهم الزمان علينا يزيلون الالتباس، ويحسنون الخروج بنا مما نحن فيه، ورحم الله عبدالرحمن الكواكبي!

يا سادة السيسي وعصابته ليسوا المشكلة، يا من تحلمون بغياب السيسي لتعودوا إلى الحكم، ولا تغيير رئيس ومجيء جديد هو الحل، بل إن المشكلة فيكم الآن، لما تم اعتقال أنبل وأشرف الناس خُلقاً واستشهادهم، وبقاء طرف منكم لا يجري أو يهرول إلا على مصلحته، ويوم تنقون صفوفكم من معدمي الضمائر، وسيئي السلوك، سواءً قلّوا أم كثُروا، زادوا أو نقصوا، فهم مؤثرون، لا يتركون مكاناً لمصلح ويستنزفون الجهود.. والكل خاسر بهذه الطريقة، عندما تحسنوا العمل والإعداد تأتيكم العزة والكرامة أولاً من عند الله، وتجتمع عليكم الصفوف، أما أن يتصدر لمصلحته البعض فهو ما لا يُرضي الله، وصدق الشاعر القديم مع الفارق:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.