المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ثابت Headshot

ماذا تريد جماعة الإخوان في مصر؟ "3" رؤيةٌ للأزمةِ..

تم النشر: تم التحديث:

حوار الشيخ "راشد الغنوشي"، رئيس حركة النهضة التونسية، مع موقع "هافينتغون بوست"، النسخة العربية، السبت الماضي استوقفتني فيه فقرة، ولَكَم تمنيتُ على جماعة الإخوان بمصر -بخاصة القيادات- التدقيق فيهما:

"هناك استخلاصات أصبحت بعد سنتين من الأزمة بديهية: لا يمكن العودة إلى الوراء وإلى زمن الدكتاتورية، لا يمكن إقصاء الأطراف السياسية والمجتمعية الرئيسية، لا يمكن شطب الإخوان، أو شطب العلمانيين أو الليبراليين، أو شطب الأقباط، أو شطب الجيش من المعادلة السياسية في مصر. المراهنة على هذا هي مراهنة على إطالة عمر الأزمة ومراهنة على المزيد من الخسائر لكل البلاد، بما يفتح البلد على كل الاحتمالات. أدعو عقلاء مصر من جميع الأطراف أن يضعوا مصلحة بلادهم قبل كل شيء، وأدعوهم إلى التخلي عن منطق الإقصاء، وإلى تبني منهج الحوار والتوافق ومنهج التنازلات المتبادلة قبل أن ينهار السقف على رؤوس الجميع".

"1"

سيقولون:
ـ إننا نُهاجم ونُواجه.. وليس من الأمر شيء!

ولكن الحقيقة المُرَّة أن جماعة الإخوان يوشك السقف أن يسقط فوق رأسها مرتين، مرة لعدم استطاعتها تدارك اللحظة والأحداث الراهنة، أو حتى مجرد احتوائها، وهو سقف الوطن الذي أتمنى ألا يُسقطَ على الجميع، ويوشك سقف الإخوان أن يسقط عليها داخل الجماعة.. ذلك لأن الجماعة نفسها لم تعد قادرة على استيعاب نفسها، وصار الخطر يتهددها مرتين: مرة بفعل عدوها المنقلب على سلطة وشرعية كانت لها، وأشك بوضوح في إمكانية عودتها وفق معطيات الواقع لا الخيال، ووفق منظومة التعامل مع الأمور بحقيقتها، لا بما يحبه الإخوان، ومرة لأن الجماعة لم تعد قادرة على احتواء أطرافها، سواء أكانت تلك الأطراف عبارة عن شيوخ أو شباب، وبالتالي فَهْم مغزى كلمات "الغنوشي" الخفية، وقد كان السؤال: ماذا تفعل لو كنتَ مكان الرئيس مرسي، فأجاب بفقرتين آخرهما هذه الفقرة الوافية المُعجزة.. لمن أحسن قراءتها، وإلا فمَنْ لا يُحسنُ القراءة فضلاً عن لملمة صفه الداخلي، كيف يمكنه الانتصار في "معركة صفرية" على عدو مسلح عنيف لا يراعي مبدأً ولا قيمة للحياة، ولا يحافظ على وطن.. ولا سلامة للإنسان أو البلاد؟!

إن الهزيمة النفسية تحيط بالجماعة، من آسف، من جميع أطرافها، ومن جميع أطراف الحياة من حولها، ولذلك لا تعرف حلًّا لما هي فيه، وتنشغل بالمعارك الفرعية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، المؤكد أن عدم فهم جماعي أحاط بالجماعة، وأدى إلى ما هي فيه اليوم، وهذا الأمر ليس مفروغاً منه فيما يخص الأمس القريب والبعيد للجماعة فقط بل يمتد إلى اليوم.. وأخشى الغد وإلى ما شاء الله من عمر الجماعة.

"2"

أما رؤية الأزمة المتفاعلة مع أحداث الماضي حتى وصلت إلى الوضع الحالي، ومحاولة تحديد الداء والمرض أو سبل العلاج، فيمكن إجمالها من وجهة نظري في النقاط التالية:

1ـ إشهار سيف "شق الصف" و"إحداث الفرقة" و "بلبلة الجماعة" فيمن يحاول بيان طريق لحل أزمة الإخوان الطاحنة الحالية.. أيًّا ما كان مكانه منها، وهنا من آسف يسمح بتداخل الأبيض مع الأسود بداخلها، فإن رفض السادة من قدامى المتواجدين في الجماعة، قبول رأي يخالف ما استقر عليه رأيهم يضع البيض كله في سلة واحدة، ويسمح بالمندس بالتمادي في كلماته والإعلان عن وجوده، لأن قيادات لا تقبل بكلمات هذا أو ذاك.

2ـ انكشاف الصف كله: يبدو جليًّا أن مبدأ "السمع والطاعة" في الجماعة لم يكن مبدأً بل كان أكثر من نهج، وبالتالي فإن قيادات الصف الثاني والثالث وهلم جرا، كانت تتلقى "الأوامر" بمعنى الكلمة من قيادات بعينها، سواء أكانت تُسمى قيادات "الصف الأول" أم "فوق القيادات"، وأعني بهم السادة مصدري الأوامر للصف، وبالتالي فإنه في ظل الاختفاء للقيادات الأخيرة، عجل الله فرج المسجون منهم، ورحم المُتوفى، ورحمنا من الباقين من بعدهم، فإنه في ظل غياب مُصدر الأوامر، يتبلبل الصف ويتزعزع، لأنه لا يجد الأمر الذي اعتاده من قبل، وتحضرني هنا قصة كنت شاهداً عليها للأمانة، فقد قال لي أحد مسؤولي الشُّعب في مصر قبيل الانقلاب بأيام، إن لقاءً جمعهم بالمهندس خيرت الشاطر، واشتكوا فيه بأنهم لا ينالون مناصباً قيادية، فرد الرجل -فك الله أسره- بالنص قائلاً:
الانتخابات موعدها معروف في الجماعة "شدوا حيلكم" وتعالوا خذوا مناصبنا في مكتب الإرشاد منا!

3ـ النقطة الأخيرة تقودنا إلى "التربيطات" المعروفة في انتخابات الجماعة، ومع نقاء الأخيرة وفقاً أو مقارنة بغيرها من مؤسسات الدولة.. إلا أن تلك التربيطات لأعلى مستوى كم أخرجت بخاصة في الانتخابات والشورى المفترض نقاؤها، لكن التربيطات سمحت لتقدم الصفوف مَنْ في صف الجماعة خيرٌ منه، وعن الأستاذ مهدي عاكف -فك الله أسره- سل عن مثال مع إصراره عند اعتزاله العمل الدعوي الرسمي في نهاية مدته الثانية كمرشد على حل مكتب الارشاد كله.. ليسن سنة حميدة باكتفاء المرشد العام للجماعة بمدتين، بدلاً من التولي طوال العمر.. لكن ليصمم في نفس الوقت على آلية أتت بالمرشد الحالي -فك الله أسره- ليفوّت الفرصة على نائبه "محمد حبيب"، كي يحل محله، وبعيداً عما كان بينهما، وما ترتب على ذلك..

فعن ديكتاتورية الجماعة، وخطير القرارات التي يتم اتخاذها لرغبة، قريباً أو بعيداً من المثال الأخير، مجرد رغبة القيادات، دون وجود رؤية أو تخطيط أو مجرد حساب للمخاطر، يمكننا أن ندبج عشرات المقالات، وقرار الترشح لرئاسة الجمهورية في حد ذاته، مع خطورته عام 2012م، ورفض مجلس شورى الجماعة له، وإصرار المهندس خيرت الشاطر عليه، ودعوته للمجلس مرة بعد أخرى حتى تمت الموافقة، خير شاهد على كون الانتخابات والشورى ألعوبة أحياناً -وأعتذر عن اللفظ- في يد قيادات تتخذ قرارات بالغة الخطورة بشكل فردي ثم تُجري الشورى عليها إجراءً شكليًّا صوريًّا لمجرد ذر الرماد في العيون! وما لائحة رابطة تركيا، وقد تناولتُها بتوسع الأسبوع الماضي منا ببعيد!

4ـ حرب البيانات المشتعلة داخل مصر وخارج مصر الآن تقول بأن الجماعة مخترقة بشكل أكبر مما هو متوقع، ويعز على المتابع الدقيق اليوم معرفة مَنْ يسبُّ مَنْ، أو حتى يوجه سهام النقد لحساب مَنْ، مندسون هنا وهناك كانوا في قلب الجماعة من الداخل يتصارعون ويتفقون ويختلفون، وأموال تضيع وأحياناً أعراض تنتهك بفعل الانقلاب، وأحياناً قليلة بفعل تخبط وعدم مسؤولية الصف عما يجري بداخله، وتضحيات تهدر، وتجار الحروب والأزمات هم المستفيد الأوحد، أما البيانات هنا وهناك فعرض على مرض متأصل بداخل الصفوف.. وزلزال شديد حتى أنني أحياناً أتخيل أنه على كل إخوانيّ صياغة بيان أسبوعي، على الأقل لتحديد موقفه من عشرات البيانات!

5ـ والحال كذلك فإن مجموعة من الأمراض المستأصلة كانت في البعض على الأقل من الصف الإخواني، سمِّها أمراض قلوب أو سلوكيات مرفوضة، أو قل قلة تربية، أو عدم وجود تربية كافية من الأساس، أو تصعيد عشوائي لأفراد هنا أو هناك لسبب أو لآخر، والنتيجة أنه في وقت الأزمة وانفلات العقل.. وظهور الأهواء والشهوات والمطامح.. ظهرت كل هذه الأمراض دفعة واحدة..

6ـ الفرد الإخواني في مكون من مكوناته، اعتاد أن إخوانه يعرفون كل شيء، مهما علا وسما أو دقق وخفي؛ ولذلك فإنه في صورة مئات الآلاف اليوم، لَمّا قامت الأزمة واشتدت يرى الحل أن "يسلم" قياده لإخوانه.. وهم سوف يتصرفون، وإذا كان إخوانه الحقيقيون في السجون أو توفاهم الله.. فإنه ليلتحق بأقرب القيادات، والأخيرة لا تجد لنفسها حلاً فيما هو يتناول سقط كلامها وأفعالها على إنه أوامر لا تخص الدنيا بل الدين!

7ـ تمت تربية آلاف من الإخوان على عدم إعمال العقل.. بل الثقة في إخوانهم، وتمت تقوية الثقة في أركان البيعة على الفهم، والثقة هي الركن السادس في البيعة.. فيما الفهم ركنها الأول.. لدرجة صارت معها القيادات يُعتقدُ أنها تتلقى وحياً ربانيًّا خفيًّا.. لذلك لن يضيعها الله ولن يضيع الصف، هذا لدى الكثيرين، وكم أودى ذلك بأفراد داخل الصف، وبدول اعتمدت مثل هذه الفكرة مع اختلاف الأسماء والبعد عن الإخوان، إلا أن الاستئثار بالرأي كان واحداً!.. وهي في حالة الإخوان صورة مضنية من صور الديكتاتورية.. تم الزج باسم الله فيها..

8ـ تجار الأوهام والمخدرات العقلية، أكلوا كبد الجماعة الآن، واللجان الإلكترونية التي تقول بالتعجيل بالفرج والمحنة التي توشك أن تنقلب إلى منحة، والرئيس العائد إلى القصر، والخونة والمؤامرة، وهلم جراً كل هؤلاء خلقوا طبقة واهية "كاذبة" حول الحقيقة الأكثر من مُرَّة: الجماعة في أزمة شديدة تُرضي العدو وتميت الصديق.. ومثل هذه الكلمات قمة أزمات الجماعة لو يدري القائل أو السامع وهم أكثر من ألوف..

9ـ الضربات الموجعة التي تلقتها الجماعة قبيل الانقلاب زعزعت الصفوف، وغيّرت من أماكن الكثيرين، ولكنه مع مرور الشهور استطاع عدد غير قليل ممن أرادوا فرض أنفسهم بديلاً عن القيادات، أو أخذوا من القيادة بحظ، على شرط أن "ينهلوا" من المكاسب ما استطاعوا.. هؤلاء طبقة كريمة جديدة في وقت الأزمة وفيهم غير الإخوان، وفي مستويات سياسية وغيرها، يزينون الخروج ومزيداً من الموت للثوار.. فيما هم محميون بعلاقات علم الله بها، أو هاربون خارج مصر!

10ـ لم يعد الأساس الآن، والحال كما سبق مقاومة الانقلاب، بل الأخذ والرد فيما يخص الصف الإخواني الثابت فيه والمنقلب على الثابت، وفقاً لرؤية كل طرف لنفسه، والتفاصيل لا تنتهي في مصر وخارجها.

"3"

إن غياب وافتقاد الضمير، الناتج عن عدم الفهم، والأخير، أول أركان البيعة التي حددها الإمام "حسن البنا"، رحمه الله، داخل الصف الإخواني، سواء أكان غياب الفهم هذا عن قصد أو عن اتجاه عفوي لتحقيق مصلحة الخاصة، وارتكان كثير ممن في موضع القيادة إلى ركن "الطاعة"، الركن السادس من أركان البيعة، وإن ضعف عقول الكثيرين عن إدراك خطورة اللحظة الراهنة والبلايا المترتبة عليها لا في حق مصر فقط بل الأمة، وتدارك الأخطاء والخطايا بعقل ودراسة متأنية وهدوء، لا مجرد دراسات تحابي النفس وتخرج الجماعة مُنصورة، وتلقي بالتبعية على غيرها، وإن استسهال استمرار ترك الناس يموتون ويصابون ويعتقلون بهذه الطريقة وانتظار الفرج من رب العزة كلها مأساوات تنذر بعواقب وخيمة من زوال الجماعة واستمرار المأساة، وإن قيادة واعية حكيمة تخرج حين يريد الله فتفهم كلمات "الغنوشي" التي افتتحتُ المقال بها..

فتكون قادرة على احتواء المعطيات التي ذكرتها وغيرها.. وتقدم العلاج الناجح لأزمة اليوم، لهو أمل الملايين من الشرفاء داخل الجماعة وخارجها..
وللحديث بقية ما دام في العمر بقية!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.