المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد سنوسي Headshot

ربيع النفايات في لبنان ... من المستفيد

تم النشر: تم التحديث:

" طلعت ريحتكم هي مبادرة قادها مجموعة شباب لبنانيون في عملية احتجاجية على الأوضاع البيئية التي باتت تهدد أمن و سلامة أبناء لبنان الحبيبة , في وقت أضحى الأمن البيئي ضرورة من ضرورات الحياة الكريمة و بات الأمن المجتمعي من المفاهيم الأساسية لتطور مفهوم الأمن و تحوله من أمن الدولة إلى أمن الإنسان ذاته نجد نظاما سياسيا مغيّبا عن حق الفرد في الحياة الصحية و حقه في استنشاق هواء نقي ... "

لا يخفى على المتتبعين للشأن العربي عامة و أحداث ما يسمى بالربيع العربي الذي تحول إلى شتاء على رؤوسنا جميعا من عرب و مسلمين , و هذا جراء الأحداث الدامية في ربوع الوطن العربي, و حتى انعكاساتها السياسية و الاقتصادية على الدول التي لم تمسّها هذه الموجات الشعبوية, لبنان كبقية العالم العربي تأثرت بثورات الربيع العربي أو الانتفاضات آو الحراك الشعبي سموها كما شئتم ,,, لكن المهم إن لبنان قد تأثرت منها في بعدها الطائفي و انعكاس الأزمة السورية, و ما حملته من تحولات و تطورات و استحداث للفواعل السياسية و الميدانية على الشارع اللبناني خاصة بعد تدخّل حزب الله في معاركه بجانب الجيش النظامي السوري, تحت مظلة و حماية إيران و المشروع التوسّع الشيعي , لكن السؤال هو ما مدى تأثر المجتمع اللبناني بالوضع الإقليمي و ما دخل هذه الأوضاع في الشأن السياسي اللبناني و عجزه على وضع سياساته الداخلية ؟.

لبنان و ذلك التنوع الثقافي و الطائفي و العرقي ,لطالما اتجه هذا التنوع إلى حالات الصراع و حالات نزاع سواء لأجل السلطة أو حتى لأجل تثمين نعرات طائفية و أخرى عرقية ,كلّها كانت على حساب المصلحة القومية و الوطنية و تحوّل الولاء الأصلي و الجوهري إلى ولاءات فرعية ضيقة سببتها تلك الاحتكاكات الهامشية التي تحولت إلى الأصل و تحوّل التعايش و التسامح الاستثناء القائم تحت شعارات سياسية .

و في بعض تأملاتي في الشأن اللبناني أرى دائما إن المعضلة هي معضلة سياسية بامتياز, لا طائفية و لا عرقية و لا دخل لمكونات المجتمع اللبناني في الأزمة , التي مرّت عليها محطات تاريخية لا ننكر الجانب ألصراعي, الذي تخللها لكن لا يمكننا أيضا الإجحاف في حق الجانب التوافقي الرضائي, ما بين مكونات النسيج الاجتماعي اللبناني ... لن أخوض في الحرب الأهلية و لا الخلافات السياسية و الحزبية القائمة في لبنان , لكن سأقول إن أزمة النفايات هذه ما هي إلا ارتداد للأزمة السياسية التي تشهدها الدولة في فصول متعددة, كان أخرها هو عدم الاتفاق على شخصية رئيس الجمهورية و مرور الدولة في فترة فراغ على مستوى هذه المؤسسة الهامة دستورية و حتى شعبيا ...

أزمة سياسية أدّت إلى اتساع عمق الشرخ الذي تشهده الحياة السياسية في لبنان من عقم واضح في البرامج الحكومية من جهة , و عدم القضاء على المعضلة الأمنية التي تهدد الكيان اللبناني داخليا مع أزمة وجود الأسلحة و جيش موازي للجيش اللبناني النظامي, و هنا نتحدث عن جيش و كتائب حزب الله و رفضه إلى تسليم الأسلحة, و كذا مشكلة الحدود اللبنانية و السورية و التي تشهد مدينة طرابلس مسرح ثانوي لهذه الانعكاسات من جهة أخرى ...

ما سبق كان في صلب الأمن القومي اللبناني و كيفية حماية امن و سلامة المواطن اللبناني و حجب العدوان و العنف عنه و عن الدولة و مؤسساتها , لكن المشكل أن سياسات الحكومة اللبنانية اتسعت رقعة فشلها و إلى غاية عجزها الواضح على توفير بيئة صحية لمواطنيها, و ذلك بعد أن غرقت بيروت و ضواحيها في نفاياتها و فوحان الروائح الكريهة التي لها مؤثرات سلبية على الصحة العامة و الأمن البيئي لبيروت , مأساة ترجمتها جماعات شبابية في ما يسمّى مبادرة " طلعت ريحتكم "و التي نادت إلى مظاهرات سلمية لعلّها تذكّر الحكومة بالوعود التي قطعتها على مواطنيها بحل المشكلة و التي دامت الشهور الأخيرة و تأزمت بعد اصطدام المواطن اللبناني بوعود كاذبة كانت حول نقل النفايات إلى مطامر خارج ولاية لبنان, وكذا تكليف شركة خاصة بالعملية , لا حياة لمن تنادي ... هذا هو ما قراه المواطن اللبناني من سياسات الحكومة العاجزة على تدبير السلامة الصحية لمواطنيها , برأيي هي الإرادة السياسية الغائبة و المصلحة الوطنية المغيّبة نتيجة صراع مصالح و نزاع السلطة داخل أروقة مؤسسات الدولة اللبنانية, التي أنهكتها الطائفية السياسية غداة الحرب الأهلية, و باتت أعراض و صلاحية اتفاق الطائف التي أراها متغيّر على صناع القرار و الفواعل السياسية و الاجتماعية في لبنان العودة الى ترميمه قبل السقوط و تحطيم ما حاولوا بناءه .

وضع شكله الخارجي صحيح اجتماعي مدافع عن قضية بيئية, لكن لا أرى في كون مساعيه هي بلوغ تغيير سياسي للنمط القائم و حتى باعتباره رفض لسياسات المماطلة و محاولة إيجاد حلول سياسية جادّة تخرج بيروت و لبنان ليس من أزمة النفايات العرضية الهامشية ...لا , بل من أزمتها السياسية ككلّ , القارئ لعنوان المقال يرى فيه مصطلح " ربيع النفايات " فعلا هو كذلك إذا استمرّ الصدّ السياسي من طرف الحكومة اللبنانية و بالمقابل إذا استمرّت المطالبة بالتجمعات و المظاهرات و التي قوبلت في بداياتها بالغاز المسيل للدموع و خراطيم المياه و كذا أعمال عنف و شغب ليس لشيا لاّ للمطالبة بحق الحياة ... فأي حياة للعربي في بلاد تعيش تجاذب سياسي أدى إلى طفرة نوعية في إنتاج العنف , عنف مجتمعي و سياسي و زادته نفايات لبنان ما هي إلا نفايات العرب ككل .

فخوفي كل الخوف على لبنان الحبيب أن ينجرف إلى ما هو أسوء من مبادرة ضد النفايات, و تحول أعمال العنف التي بدأت معالمها في مظاهرات اليوم في الأفق البعيد, إذا ما استمر في نضاله لأجل صحته و بيئته و تصعيده لوقفاته ضد سياسات الحكومة العقيمة عقم إرادتها السياسية و مقارباتها الأمنية في تفرقة و صدّ المتظاهرين

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع