المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد سنوسي Headshot

هاجس اللغات الأجنبية أمام الشباب الجزائري

تم النشر: تم التحديث:

من وسط المشكلة نتكلّم ... و زادتها عاميّة بن غبريط

"في سابقة لم تشهد لها مثيل تفاجئ الشعب الجزائري مرة أخرى لمخرجات حكومة سلال ,من تصريحات ارتجالية غير مسؤولة , كنت هذه المرة بطلتها وزيرة التربية الوطنية بن غبريط, التي أكد أمين عام وزارتها على تقنين اللغة العامية في المرحلة الابتدائية, في سابقة خطيرة تهدد رمز دستوري يعبر عن العمق الهوياتي و الثقافي للشعب الجزائري و هو اللغة العربية , لغة القران كتاب الله و لغت الإسلام و لغة الجزائر دولة و شعبا ".

يشهد المجتمع الجزائري منذ الاستقلال صراع ثقافي - حضاري مابين الطبقة الفرونكوفونية و المدافعين عن اللغة العربية , و قد كانت بدايات هذا الصراع داخل أروقة الإدارة العمومية في الجزائر , و كما هو معلوم أن الإدارة الجزائرية غداة الاستقلال كانت إدارة فرنسية التوجه و اللغة و حتى على مستوى القوانين التنظيمية التي لازال المشرع في عملية تأثر بها حاليا ,بعد عملية الاستيراد القانوني و التكييف وفق متطلبات المجتمع الجزائري حسبهم , إلا أن هذا الصراع انتقل ليشمل المثقف الجزائري الذي عانى المجتمع الجزائري من شرخ ثقافي على مستوى تجسيد اللغتين , و ما مدى نقل التراث الحضاري الغربي إلى المجتمع الجزائري الفتي ّ , هذا ما كان له نوع من الاستفزاز للشعب الجزائري المستعمر مدة 132 سنة من قبل مستعمر فرنسي, كان الردّ تصدي شعبي و حفاظ على عمق اللغة العربية في المجتمع الجزائري .

و هذا ما انعكس بوضوح على المستوى التعليمي للغات الأجنبية في الجزائر ,و مدى تعامل الأفراد و الشباب بالخصوص مع هذه اللغات , فالفرنسية مثلا تشكل هاجس كبير لأغلب الشباب الجزائري على عكس اللغة الانجليزية التي تمتاز بالسلاسة و هذا حسب رأيي راجع للأمور النفسية و هو ذلك العزوف الوجداني عن تعلّم لغة المستعمر المستبد , زاد هذا الشرخ استمرار خطابات صناع القرار في الجزائر باللغة الفرنسية ,و هذا يعتبر استفزازا واضحا للشعب الجزائري ,و لازالت غالبية الإدارات تتعامل بوثائق و مراسلات باللغة الفرنسية و هذا مع الجهود الكبيرة التي تقوم بها شخصيات وطنية لترسيخ اللغة العربية كلغة الإداري و السياسي و المثقف في الجزائر .

حيث تفيد معطيات إن اللغات الأجنبية تلقى تجاوب نسبي من طرف تلاميذ المدارس في الجزائر خاصة في مناطق الداخلية و الجنوبية للوطن, و هذا ما ينعكس عليهم سلبا في الدراسات الجامعية , ممّا يدفع غالبية الطلبة الجامعيين من ارتياد مدارس خاصة للغات و التي تلقى رواجا كبيرا في ظلّ ضعف الزاد اللغوي لدى المواطن الجزائري, هو حلّ لن يغطي النقص الفادح التي تعانيه المدرسة الجزائرية ,من إمكانيات لفرض الموازنة مابين اللغة الأم و هي العربية و اللغة الثانية و الثالثة ,الفرنسية و الانجليزية على التوالي , و هذا ما فاجئ المجتمع الجزائري بعد الندوة الصحفية التي قام بها أمين عام وزارة التربية الذي اقر أن الدخول المدرسي القادم سيكون بتدريس اللغة العامية, أي الدارجة في أقسام التحضيري و الابتدائي , فكيف لنظام تعليمي عجز على فرض التوازن بين اللغة العربية و نظيراتها من اللغات الأجنبية في الحالة العادية , أن ينجح بداعي الإصلاح المدرسي على إنتاج نموذج مثالي للتلميذ الجزائري بقاعدة هشّة منطلقها العامية ؟

المجلس الأعلى للغة العربية بدوره يعيش حالة من التخبط دون رئيسه المستوزر عزالدين ميهوبي ,و الذي ترك خلفه مؤسسة من المفترض أن تكون المدافع الأول و الأخير عن اللغة العربية, بعد تصريحات وزيرة التربية الوطنية المعبرة عن ضعف خريجي الكتاتيب و تلاميذ المساجد و الزوايا من حيث اللغة و هي التي تريد تعميم التحضيري و الابتدائي , هل فعلا هذا حل للقيام و إصلاح المدرسة الجزائرية, أم هي عملية تدمير منهجية لأسس و مقومات الهوية الجزائرية و الأمن الثقافي الجزائري ,و حتى الأمن الديني بما أن العربية هي لغة القران و الإسلام , ففي مرحلة من المفترض أن يكون التلميذ بمثابة التربة الخصبة لتلقي و استيعاب ما تيسّر من اللغة ,و ذلك تحضيرا لسنوات التعليم المتوسط و الثانوي التي تتنوع فيها المادة المعرفية و العلمية ,لكن الآن نجد أنفسنا أمام مأساة برأيي يكون السكوت عنها جريمة و جريمة شنيعة بحق العلم و المنظومة التربوية ككل .

لهذا أؤكد انه علينا فعلا مراجعة حساباتنا بشأن هذه النخبة السياسية التي لا تعدو آلية لتخريب القيم المجتمعية داخل الدولة الجزائرية, فوزير يدعو إلى عودة فتح المخامر و بيع الخمور, و وزيرة تلغي تدريس باللغة العربية في المرحلة الابتدائية, و المثقف الجزائري الذي عانى التهميش لاعتبارات سياسية و شعب يذهب ضحية الصراعات السلطوية و السياسية داخل أجنحة النظام السياسي, هي كلها تجسيد لواقع الفساد السياسي و الإداري في النظام السياسي, و العجز في تسيير شؤون الرعية , و من جهة أخرى على الحكومة و صناع القرار القيام على وضع حدّ لهذه التجاوزات الخطيرة التي تهدد الأمن الثقافي و الديني الجزائري في وقفة حيادية من طرف الحكومة .

الثورة الفكرية و الثقافية, هي حلّ برأيي يمكن من خلالها التغلب على هاجس المعيقات التي تقف أمام ترميم شخصية المواطن الجزائري, سواء على مستوى مشكل اللغات و مدى تفاعل المواطن الجزائري معها و درجة استيعابه لها , أو على مستوى الحفاظ على الموروث الثقافي و تطويره و تنميته و كذا حفظه للأجيال المستقبلية , ثورة من شأنها تغيير المنظومة القيمية للذات البشرية, و تعد بأفاق في مجال البحث و العلم و الثقافة ,ثورة يكون لها أبعاد حضارية في الحفاظ على الهوية الوطنية و ترسيخ مقومات الدولة دون تهميش أو تشويه ,ثورة يبادر بها المثقف و الكاتب و الأستاذ و الطالب و يكون حاضنها أولياء التلاميذ و تكون درعها الأسرة الجزائرية و ما لها من مهام رقابة و متابعة , هدفها ترقية و تنمية القدرات العلمية لأبناء هذا الوطن ,و ترسيخ فلسفة جديدة لشبابنا تعنى بالبحث عن المعرفة و تكون حصنا منيعا أمام كل تخريب يمسّ قيم و عمق الهوية الجزائرية , من إسلام و لغة عربية و أمازيغية و لما لا تكون قاعدة لتمتين روابط النسيج الاجتماعي الجزائري بكل ثقافاته و عاداته و تقاليده .