المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد شريتح Headshot

الإتجار بالبشر: قصة ناجٍ من رحلة الموت

تم النشر: تم التحديث:

بعدما ولد وعاش في كفرنبل ٢٢ عاما، قرر مجد بيوش الرحيل عن بلدته الواقعة في شمال سوريا والتوجه الى أوروبا في مغامرة، هجرة غير شرعية، طلبا للجوء. يروي مجد تفاصيل رحلة شاقة ومعقدة، استمرت لثلاثة اشهر وصل بعدها الى المانيا، حيث يحظى الآن برعاية الدولة بعدما صادقت له على حق اللجوء.

"وصلت الى إزمير، تركيا في ٢٢ ايلول/سبتمبر ٢٠١٤. ومع حلول الظلام في اليوم نفسه توجهت الى الشاطئ حيث استقليت قاربا مطاطيا صغيرا تم نفخه بالهواء وتجهيزه من اجل الرحلة. كان مكتظا جدا، وكنت على متنه برفقة ٤٧ مهاجرا سوريا آخر، علمت ان بعضهم على تواصل مع شبكة التهريب نفسها التي رتبت اموري معها. أبحرنا مع ساعات الفجر الأولى باتجاه جزيرة ساموس اليونانية في رحلة استغرقت ساعتين ونصف الساعة. بعدما وصلنا الى شاطئ الجزيرة غرق المركب جرّاء ارتطامه بالصخور.

كان الاتفاق بيننا وبين المهرب أبو عبدو، وهو رجل سوري ملقب ب "النمر"، يقضي بان نسلّم انفسنا للشرطة اليونانية فور وصولنا الى الجزيرة. قبل مغادرتي الاراضي التركية كنت قد اودعت مبلغ ٨ آلاف يورو في "مكتب السعيد" لتحويل الاموال، الذي تديره عصابة التهريب، [هذه الشركة لديها فروع في عدة بلدان اوروبية] كانت حصة ابو عبدو منها ٢،٥٠٠ يورو.

تسلقنا الجبل فور وصولنا الى ساموس وتوجهنا رأسا الى مركز الشرطة، حيث قام العناصر باحتجاز امتعتنا وهواتفنا وتم حجزنا في قسم الشرطة لثلاثة أيام. الى ان تم في ٢٥ أيلول/سبتمبر وضعنا على متن عبارة توجهت بنا الى جزيرة مجاورة لساموس، لا أذكر اسمها. في الجزيرة تم وضعنا في مخيم يشبه المعتقل وهو مخصص للمهاجرين غير الشرعيين من افغان وآسيويين وفلسطينيين. إلا أن معظم المعتقلين كانوا من التابعية السورية.
احتجزتنا السلطات اليونانية في مخيم الاعتقال حتى تاريخ الخامس من تشرين الأول/أكتوبر حيث القوا سراحنا بتأشرة إقامة مؤقتة لمدة ستة أشهر، يسمح لنا في خلالها بالتجول بشكل قانوني في اليونان. فما كان بنا الا ان نستقل باخرة سياحية متجهة الى أثينا وأبحرنا في رحلة دامت ١٤ ساعة. وصلنا صبيحة اليوم التالي ومباشرة اجرينا اتصال هاتفيا بمهرب باكستاني اسمه احمد بحسب تعليمات "أبو عبدو".
أحمد طلب مني ان ارسل مبلغ ١،٥٠٠ يورو من "مكتب السعيد" في تركيا الى مكتب الشركة نفسها في أثينا حيث سيتم إيداع المبلغ في حسابه. وطلب منا تجهيز انفسنا بحاجيات مثل ملابس عازلة للأمطار والمياه، مأكولات معلبة وبعض اللوازم الشخصية استعدادا للرحلة. كذلك فعلنا.

اتصل بنا احمد في ٢٣ تشرين الأول/أكتوبر وأخبرنا بأن نستقل القطار المتجه من أثينا الى تيسالونيكي. فركبنا القطار لست ساعات حتى وصلنا الى محطة تيسالونيكي، ومن هناك اتجهنا مباشرة بالباص نحو بوليكاسترو. وعند الساعة ٧ مساء بدأنا السير على الأقدام على خط سكة القطار باتجاه مقدونيا.
١٣ ساعة من المشي من دون توقف يذكر، وصلنا بعدها الى الحدود مع مقدونيا، حيث كان علينا النوم في العري الى حين وصول المهرب الذي يعمل من ضمن الشبكة نفسها.
بحسب الخطة التي ابغلنا بها أحمد فإن رجلا سيأتي من العاصمة المقدونية، سكوبيه، ويعبر بنا الحدود الى صربيا. إلا اننا انتظرنا طويلا ولم نبدل موقعنا وتأخر وصول المهرب. صباح ٢٦ تشرين الأول/أكتوبر، علمت الشرطة المقدونية بوجودنا فما كان من عناصرها الا ان اقدموا على حرق الخيم الصغيرة التي كنا نبيت فيها وبعض ممتلكاتنا الشخصية طالبين منا الانصراف فورا. ولكننا صمدنا حتى حلول الليل. وصل المهرب وانطلقنا فورا في مسيرة الى منطقة جفجيليا في مقدونيا، حيث انضم الينا مجموعة اخرى من المهاجرين، ليصبح عددنا ٥٠ شخصا. مشينا جميعا لعشر ساعات متواصلة في الجبال الحدودية بين مقدونية وصربيا.

ليل ٢٨تشرين الأول/أكتوبر وصلنا الى وجهتنا. وضعنا امتعتنا جانبا وجلسنا ننتظر الخطوة التالية من الخطة. تفاجأنا بوصول سيارتين رباعية الدفع بالكاد تتسع كل واحدة لأحد عشر شخصا. ما كان علينا الا الانتظار حتى تقوم السيارتان بتوصيل المجموعة الأولى والعودة الينا.
لقد اصبح عددنا ٢٨ شخصا، وقد انتظرنا عودة السيارتين لمدة يومين متتاليين ونفذ منا الماء والطعام. طلب مني المهرب الذي كان برفقتنا ان اذهب معه الى قرية صغيرة تبعد ساعة تقريبا من أجل التزوّد. الا اننا وقعنا في قبضة شرطي مقدوني في الطريق وفيما تم اعتقالي، استطاع المهرب ان يفلت وعاد ادراجه من خلال الغابات المحيطة.

عاد بي الشرطي الى جفجيليا مجددا حيث تم توقيفي لمدة ثلاث ساعات قبل ان يضعوني على متن شاحنة عسكرية ومعي مجموعة اخرى من المهاجرين غير الشرعيين ليتم نقلنا الى الحدود المقدونية-اليونانية واجبارنا على السير نحو الاراضي اليونانية. في الطريق مررنا بدورية للشرطة اليونانية وعرض العناصر توصيلنا الى تيسالونيكي، فاستقليت آليتهم حتى وصلت الى وجهتي ونزلت في أحد الفنادق الرخيصة في المنطقة.
صباح ٣١ تشرين الأول/أكتوبر، تلقيت اتصال من أحمد، المهرب المتواجد في أثينا، اخبرني بأن باقي أفراد مجموعة المهاجرين قد تم اعتقالهم ايضاً وإرسالهم إلى أثينا. أخبرني احمد انه قرر والمهاجرين العودة الى بوليكاسترو والتجمع مجددا هناك، فطلبت منه ان بسحب ما تبقى من مال في حسابي لدى "مكتب السعيد" على ان نلتقي في بوليكاسترو للانطلاق في الرحلة ذاتها مجددا. وهكذا كان، في ٦ تشرين الثاني/نوفمير انطلقنا سيرا على الأقدام على خط سكة القطار، مشينا حوالي ٢٢ ساعة شبه متواصلة حتى وصلنا الى الحدود المقدونية الصربية حيث التقينا بمجموعة أخرى من المهاجرين ليصل عددنا الى ١٢٠ شخصا.
في صباح ٨ تشرين الأول/نوفمبر وصلت سيارتان رباعية الدفع لنقل ٢٢، شخصا وقد أصريت أن أكون من بينهم. لم يمضي على انطلاقنا ٢٠ دقيقة حتي تمت ملاحقتنا وتوقيفنا من الشرطة المقدونية.

أبقت الشرطة المقدونية مجموعة من ٤، أشخاص وانا من بينه، قيد الاعتقال فيما تم نقل باقي افراد المجموعة مجددا إلي اليونان. تم التحقيق معنا كشهود على عمليات التهريب عمل عصابات التجار بالبشر، وفي اليوم التالي تم نقلنا الى سجن غازي باب في العاصمة سكوبيا.

في يوم ١٥ تشرين الثاني/نوفمبر قمت برشوة احد العسكريين من حراس السجن بمبلغ ٥٠ يورو وأعطيته المال ليشتري لي جهاز موبايل، بحيث تمكنت من تصوير بعض المشاهد داخل السجن.
بعد ١٢ يوما داخل سجن غازيزي بابا نقلتني الشرطة إلى مخيم مخصص لطالبي اللجوء في سكوبيا تحت إشراف الاتحاد الاوروبي. هناك تعرفت على مهرب مغربي ملقّب ب "الصحراوي" وهو واحد من مجموعة المهربين التي يترأسها أحمد، المهرب الباكستاني. "الصحراوي" يقوم برشوة حراس المخيم لتسهيل تحركاته وعمليات الدخول والخروج. في يوم ٢٨، تشرين الثاني/نوفمبر غادرنا المخيم بعدما قام "الصحراوي" بالاجراءات اللازمة. استقلينا القطار المتوجه إلى لويان حيث بيت المهرب أحمد وجلسنا في بيته لمدة يومين مع ٣٥ مهاجرا آخر معظمهم من السوريين. في ٣٠ تشرين الثاني/نوفمبر خرجنا من المنزل ومشينا نحو الحدود الصربية لمدة ٣٠ دقيقة وهناك كان بانتظارنا رجل يقود آلية زراعية كان "الصحراوي" قد رتب معه عملية نقلنا. قاد الرجل آليته بين الجبال وعبر نحو الأراضي الصربية بعد نصف ساعة، وحسب الاتفاق التقينا بفتاة صربية، وهي من أفراد شبكة المهربين التي تضم "النمر"، "الصحراوي" وأحمد. رافقتنا الفتاة في مسيرة على الاقدام لمدة ٥ ساعات حتى وصلنا الي قرية صغيرة ليلاً ونمنا في العراء.

الأول من كانون الأول/سبتمبر، حضرت ثلاث سيارات ونقلتنا الى العاصمة الصربية بلغراد. ولكن لم يكتب لرحلتي التوفيق، تعطلت السيارة التي كنت بداخلها ورصدتنا الشرطة الصربية فتم اعتقالنا، فيما تمكنت السيارتان الباقيتان من الإفلات واستإناف المسيرة. اقتادنا عناصر الشرطة الى قرية أعتقد أن اسمها نيش، وفي اليوم التالي مثلنا أمام المحكمة التي حكمت علينا بالسجن لمدة ١٤ يوما في السجن المركزي.
أفرجت السلطات الصربية عنا في ١٥ كانون الأول/ديسمبر وتم اقتيادنا الى لويان على الحدود مع مقدونيا حيث طلبت الشرطة الصربية منا العبور نحو الأراضي المقدونية من حيث أتينا.
في الطريق مررنا بالصدفة بمجموعة من المهاجرين السوريين وعلى رأسهم مهرب فلسطيني الجنسية اسمه جمال. اتفقنا معه على عملية تهريب جديدة ومكثنا في بيته داخل الأراضي الصربية على مقربة من الحدود المقدونية. وبعد يومين أتت سيارة اقلتنا من منزل جمال ألى فندق في قلب بلغراد حيث مكثنا لليلة واحدة.

في اليوم التالي اتصل جمال بمهرب سوري كردي في النمسا وطلب منه ان يقلني مع مجموعة من ٧ مهاجرين الى ألمانيا. دبر لنا جمال سيارة أجرة لتوصلنا الى قرية على الحدودالمجريّة. ترجلنا من السيارة ومشينا ل١٠ دقائق حتى وصلنا الى نقطة تجمع داخل المجر كنا قد اتفقنا عليها، وكان في انتظارنا سيارتان عبرنا على متنها الى النمسا حتى وصلنا الى لينز القريبة من الحدود الألمانية. في لينز ذهبنا إلى منزل المهرب السوري الكردي ودفعنا له مبلغ ١،٤٥٠يورو. كان هو المهرب الوحيد الذي لم يطلب ارسال المال له مسبقا. وكما رسم الخطة لنا، انطلقنا في يوم ١٩ كانون الأول/ديسمبر في سيارة عبرت بنا الحدود حتى وصلنا الى ميونيخ في ألمانيا حيث سلمنا أنفسنا الى الشرطة الألمانية. تم اقتيادنا الى مخيم يعرف ب "المخيم الأصفر"، وفي اليوم التالي تم نقلي إلى مخيم في دورتموند حثث انتظرت لبضع ساعات قبل ان يتم نقلي إلى هامبرغ لأستقر هناك.
أنا اليوم لاجئ سوري حائز على حق اللجوء بعدما اكتملت اوراقي واتممت معاملات اللجوء، وقد منحتني السلطات مسكنا في هامبرغ لا تشبه فيه الحياة تلك التي في مدينتي كفرنبل."

  • 1
    قصة ناجٍ من رحلة الموت
  • 0
    قصة ناجٍ من رحلة الموت
  • -1
    قصة ناجٍ من رحلة الموت
  • -2
    قصة ناجٍ من رحلة الموت
  • -3
    قصة ناجٍ من رحلة الموت
  • -4
    قصة ناجٍ من رحلة الموت
  • -5
    قصة ناجٍ من رحلة الموت
  • -6
    قصة ناجٍ من رحلة الموت
  • -7
    قصة ناجٍ من رحلة الموت
  • -8
    قصة ناجٍ من رحلة الموت
  • -9
    قصة ناجٍ من رحلة الموت
  • -10
    قصة ناجٍ من رحلة الموت
  • -11
    قصة ناجٍ من رحلة الموت
  • -12
    قصة ناجٍ من رحلة الموت

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.