المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد سرحان Headshot

ما لا تعرفه عن الجغرافيا والتاريخ في مأساة الروهينغا

تم النشر: تم التحديث:

تمتد معاناة عرقية الروهينغا المسلمة في إقليم "أراكان" غربي جمهورية ميانمار "بورما"، إلى عشرات السنوات من القتل والتشريد والاغتصاب والحرمان من المواطنة، وبعد أن كانت أعدادهم تقدر بنحو 4 ملايين عام 1942، من بقي منهم في أراكان حالياً لا يتعدى 300 ألف شخص، تطالهم المذابح فيتذكرهم العالم على استحياء حينا، وينساهم أحياناً كثيراً ثم سرعان ما يتبدد الزخم ويذهب الروهينغا بآلامهم طي النسيان.

تاريخياً تعد الروهينغا عرقية أصيلة في منطقة أراكان التي كانت في السابق مملكة مسلمة عرفت باسم "أراكان" عرفت الإسلام في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد وحكمها 48 حاكماً مسلماً في الفترة من 1430 إلى 1784؛ إذ احتلها البورمان وجعلوها مجرد ولاية من ولايات بورما.
جغرافياً تقع "أراكان" وتسمى حالياً "ركهاين" غربي دولة ميانمار "بورما سابقاً"، ويفصل أراكان عن بقية ولايات بورما سلسلة جبال، وعن بنغلاديش حدود برية ومائية منها نهر ناف، تمتد بطول 275 كم، ومساحة أراكان 36.762 كم، وقربها وطول حدودها مع بنغلاديش يفسر لماذا تعد الجارة بنغلاديش هي الوجهة الأولى أمام الروهينغا فراراً من الموت.

بينما تقع جغرافية "بورما" في جنوب شرق آسيا، تحدها الصين من الشمال الشرقي، والهند وبنغلاديش من الشمال الغربي، ولاوس وتايلاند من الشرق، ومن الجنوب سواحل خليج البنغال والمحيط الهندي، وتمتد على مساحة 680 ألف كم مربع، وعدد سكانها حوالي 60 مليون يعتنق نحو 80% منهم البوذية، و15% مسلمون، والبقية نصرانية وهندوسية، وظلت تعرف باسم بورما نسبة إلى عرقية البورمان أكبر عرقيات هذه الدولة تمثل حوالي 40% من السكان، حتى عام 1989 عندما أُصدر قانون بتغيير اسم الدولة إلى ميانمار، وهي بلد يعج بالعِرقية إذ تتألف سكانه من نحو 135 عرقية.

تاريخياً بدأت معاناة الروهينغا في عام 1942، عندما وقعت أول مذبحة تستهدف هذه العرقية، وعرفت باسم "مذبحة الموك" راح ضحيتها آنذاك نحو 100 ألف قتلاً وتشريداً، وكانت بورما لا تزال وقتها تحت الاحتلال الإنكليزي الذي امتد من عام 1824 إلى 1948، وبينما كانت الأمور تتجه للتعايش المشترك، وتحسنت الأحوال لسنوات قليلة، كان المسلمون الروهينغا على موعد مع سلسلة من أعمال الإبادة الجماعية من جديد.

إذ شهدت البلاد انقلاباً عسكرياً تحولت معه أوضاع الروهينغا؛ حيث شهد العام نفسه تشريد نحو 300 ألف من الروهينغا إلى بنغلاديش، أعقبه في عام 1978 مذبحة جديدة شرد على أثرها حوالي نصف مليون روهينغي.

التجريد من المواطنة نقطة تحوّل جديدة

شكل عام 1982 نقطة تحول جديدة في معاناة الروهينغا، فبعد أن كان يتم اضطهادهم من حين لآخر، وهم لا يزالون كونهم مواطنين، جرى في هذا العام إصدار قانون الجنسية، الذي تم بموجبه تجريد الروهينغا من حق المواطنة -رغم امتلاكهم وثائق رسمية لدولة بورما- واعتبارهم وافدين من بنغلاديش، تلا ذلك موجات جديدة من التشريد والتهجير القسري للروهينغا في عام 1988، و1991، وما بينهما موجات فرار على استحياء.

تغيير ديموغرافي

جغرافياً كان التهجير القسري للروهينغا من قراهم يقابله تغيير ديموغرافي بتوطين البوذيين في قرى المسلمين، ومن وقت لآخر كانت السلطات تنقل الروهينغا من قراهم إلى مخيمات نزوح في الداخل أشبه بالسجون؛ إذ كان غير مسموح فيها بالحركة أو حرية التنقل أو حتى الصيد ليبقى الروهينغا عالة يعيشون على المساعدات، هذا بالإضافة إلى تغيير أسماء المناطق إلى مسميات بوذية ومحو أي أثر لأي وجود إسلامي كان هنا.

لا يزال في الاضطهاد متسع.. أحداث 2012

في منتصف عام 2012 وقعت مذبحة جديدة ضد الروهينغا بدأت بقتل البوذيين عشرة من دعاة مسلمي بورما كانوا يسافرون لتعليم الروهينغا أمور دينهم، عبر مدينة للبوذيين، فقتلوهم ومثلوا بجثثهم، واتهموا المسلمين بأنهم وراء مقتل امرأة بوذية، وخرج البوذيون جماعات مسلحة على قرى المسلمين يحرقونها ويقتلون من يقابلهم، كما تجددت الهجمات المشتركة للجيش ومسلحين بوذيين في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2016، ومع كل موجة من الهجمات تتجدد موجات الفرار.

البحث عن حل.. لجنة كوفي عنان

في سبتمبر/أيلول 2016 شكلت حكومة ميانمار لجنة استشارية برئاسة "الأمين العام السابق للأمم المتحدة "كوفي عنان" وهي مؤلفة من 9 أشخاص، ثلاثة منهم أجانب، وستة من مواطني ميانمار، لبحث أزمة إقليم أراكان وتقديم استشارات ومقترحات وتوصيات للحكومة، مارست اللجنة عملها لمدة عام كامل، وسلّمت تقريرها للحكومة برئاسة "أونج سان سوتشي" مستشارة الدولة ووزيرة خارجيتها، في 23 أغسطس/آب 2017.

ثمة حلول في الأفق

تضمن التقرير العديد من التوصيات الجيدة التي تعد بمثابة حلول مبدئية، منها مراجعة قانون الجنسية الصادر عام 1982 والذي جرد المسلمين الروهينغا من المواطنة، وكذا إعادة الروهينغا النازحين في الداخل إلى قراهم، ورفع القيود عن حرية تنقل الروهينغا، والسماح لوسائل الإعلام بدخول أراكان ونقل حقيقة ما يحدث للعالم، وفتح الباب أمام دخول المساعدات الإنسانية، ووقف عزل الروهينغا عن بقية المجتمع، وانتقد التقرير ما سماه بالقوة المفرطة للجيش ضد الروهينغا.

مكافحة الإرهاب.. موجة لائقة بالركوب

في 25 أغسطس/آب 2017 - أي بعد تسليم تقرير لجنة عنان بيومين - أعادت قوات الجيش الكرة من جديد بالهجوم على قرى الروهينغا بحجة أن إرهابيين روهينغيين هاجموا نقاط للتفتيش تابعة للجيش والشرطة، واستمرت حملة الجيش التي أسفرت عن مقتل الآلاف وفق منظمات إنسانية بعضها تحدث عن 9 آلاف قتيل، بينما وثقت الأمم المتحدة فرار نحو 640 ألف إلى حدود بنغلاديش لا يزالون في خيام بلاستيكية يعتمدون على المساعدات.

صراع الجغرافيا

جغرافيا تشكل "أراكان" نقطة مركزية في صراع محموم تتقاذفه خلالها أجندات متعددة منها أطراف داخلية وأخرى خارجية، فداخلياً يتبنى الرهبان البوذيون "المشروع البوذي" المتمثل في تحويل المنطقة "من أفغانستان إلى إندونيسيا ومن اليابان إلى سريلانكا"، إلى البوذية أو ما يسمونه "أرض بوذا"، كما يضمرون تخوفاً من اتساع إسلامي على غرار ماليزيا وإندونيسيا.

كما أن الأغلبية البورمية "البورمان" لديها هي الأخرى مشروع يتمثل في "برمنة" الدولة (بورما للبورمان)، وهو ما يفسر دخول الدولة المركزية بسيطرتهم عليها في مواجهات مسلحة مع العديد من العرقيات البوذية والمسيحية من غير البورمان، فيما يحمل العسكر في ميانمار مشروعاً لإبقاء سيطرتهم على مقاليد الأمور حتى وإن كان تحت غطاء أن البلاد انتقلت إلى مرحلة حكم ديمقراطي، لكنهم فعلياً يمتلكون زمام الأمر، فبموجب دستور 2008، فالعسكر لهم حوالي 30% من مقاعد البرلمان بدون انتخابات، إلى جانب وزارات سيادية.

أما "الراخين" البوذيون المحليون في أراكان، فهم ينقسمون لقسمين؛ أحدهما استقلالي يعمل على تأسيس "مملكة أراكان البوذية"، أما القسم الثاني وهم داعمون للعسكر وهدفهم الاستفادة من ثروات المنطقة وبسط نفوذهم عليها.

خارجياً، تمثل الصين والهند رأس حربة الأجندات والنفوذ الخارجي بحكم جوارهما لميانمار، ولكل منهما مصالح اقتصادية ومشاريع في المنطقة، إلى جانب قطع الطريق على النفوذ الأميركي بالاشتراك مع الروس، فالصين لديها مشروع "الغاز الذهبي" وخطوط أنابيب تمتد مئات الكيلومترات في ميانمار، كما أنها تدعم بعض العرقيات إلى جانب مشروعات تعدين في قرى المسلمين في منغدو، بينما تملك الهند مشروع ميناء "كلادان" وتطمح إلى استفادة أكبر من وراء تحسين علاقتها بالجارة ميانمار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.