المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد سرحان Headshot

يا ضحايا "سربرنيتسا".. ارقدوا في سلام

تم النشر: تم التحديث:

أخيراً، أُسدل الستار على جلسات محاكمات أبشع جرائم حرب وإبادة بعد الحرب العالمية الثانية، بإصدار محكمة الجزاء الدولية في لاهاي، والخاصة بجرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة، حكماً بالسجن المؤبد على آخر مجرمي حرب البوسنة، القائد العسكري السابق لصرب البوسنة الجنرال "راتكو ملاديتش"، المعروف بـ"جزار البلقان"، وإدانته بجرائم إبادة جماعية.

women pray in the mosque

في قاعة المحكمة ظهر "ملاديتش" مرتدياً بزته وأخذ يلوح للكاميرات بيديه باعتباره زعيماً وليس مجرم حرب، حتى إنه صرخ في وجه القضاة مدعياً أنهم كاذبون، وأخيراً صدر الحكم بإدانته، الأربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017 أي بعد 22 عاماً و4 أشهر و11 يوماً من إحدى أبشع جرائمه بحق مسلمي البوسنة، وهي مذبحة سربرنيتسا.

محاكمة "ملاديتش" بدأت في 2012، بعد تعقبه في منزل أحد أقاربه بمنطقة ريفية شمالي صربيا عام 2011، بعد أن ظل مُلاحقاً لنحو 16 عاماً، بعد انتهاء حرب البوسنة عام 1995، والتي كان خلالها القائد العسكري لقوات صرب البوسنة التي كانت تقاتل القوات الكرواتية والبوسنة، وأدين في اتهامات كثيرة منها "الإبادة الجماعية في سربرنيتسا".

وعلى مدى نحو 24 عاماً هي عمر هذه المحكمة التي أُنشئت في عام 1993، لمحاكمة الأشخاص الذين يُشتبه بارتكابهم جرائم حرب خلال حرب البلقان، مثل أمامها خلال تلك المدة 161 متهماً، من بينهم أيضاً زعيم صرب البوسنة السابق "رادوفان كراديتش" الذي صدر بحقه حكم بالسجن 40 سنة في العام الماضي.

لكن ما الذي حدث؟ وما الذي فعله هؤلاء؟ دعني أصحبك في جولة بين ثنايا السطور التالية أحكي لك القصة من أولها: أول سطر في حكايتنا أن "البوسنة والهرسك" كانت جزءاً من جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية التي تأسست على يد الشيوعيين بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى عام 1990 كانت يوغوسلافيا تتكون من 6 جمهوريات هي: "صربيا، كرواتيا، سلوفينيا، مقدونيا، حتى البوسنة والهرسك، والجبل الأسود".

خلال عام 1990، أجريت في البوسنة أول انتخابات تعددية للبرلمان المحلي، أفرزت ثلاثة كتل ممثلة للعِرقيات الموجودة في البوسنة والهرسك آنذاك، وهذه الكتل هي "حزب العمل الديمقراطي (المسلم) وكان ممثلاً للبوشناق المسلمين، والحزب الديمقراطي الصربي ممثلاً لصرب البوسنة، والاتحاد الديمقراطي الكرواتي".

في العام التالي 1991، بدأت يوغوسلافيا في التفكك بإعلان جمهوريتي سلوفينيا وكرواتيا استقلالهما، وكانت فاتورة هذا الاستقلال حرباً وجيزة بين كل منهما والجيش اليوغوسلافي ذي الأغلبية الصربية، أما في البوسنة فقد أجري استفتاء شعبي حول خيار الاستقلال عن يوغوسلافيا من عدمه، وفي الثاني من مارس/ آذار 1992، أعلنت البوسنة استقلالها وفق نتيجة الاستفتاء التي كانت لصالح خيار الاستقلال، إلا أن هذا الخيار لم يكن مقبولاً من صرب البوسنة أو نظرائهم في يوغوسلافيا، فكان خيارهم هم حرب إبادة استمرت لثلاث سنوات كاملة بدءاً من 1992 حتى 1995، استهدفت المسلمين البوشناق بالدرجة الأولى انتقاماً منهم لتأييدهم خيار الاستقلال، قاد هذه الحرب الجنرال "راتكو ملاديتش" وزعيم صرب البوسنة آنذاك "رادوفان كراديتش".

في أبريل/ نيسان 1992، فرض الصرب حصاراً عسكرياً على العاصمة البوسنية سراييفو ومضوا في ارتكاب المذابح الواحدة تلو الأخرى، والتي حصدت أرواح عشرات الآلاف، وإلى جانب الأسلحة القاتلة من رصاص وغيره، استخدما سلاح الاغتصاب الجماعي بحق آلاف النساء والفتيات المسلمات.

ومع كل جرائم الصرب خلال حرب البوسنة، تبقى مذبحة "سربرنيتسا" عصية على النسيان أو تضميد الجراح وهي المجزرة التي تفضح المجتمع الدولي أيضاً، إذ قتل فيها 8372 خلال ثلاثة أيام فقط بتواطؤ من قوات الأمم المتحدة.

بعد عام من بدء حرب البوسنة، أُعلنت "سربرنيتسا" الواقعة أقصى شرق البوسنة، ومدينتا "جيبا وغوارجدا" في الشرق أيضاً، كمناطق آمنة منزوعة السلاح، تحت حماية الأمم المتحدة، إذ كانت سربرنيتسا وقتها تضم 30 شخصاً لجأوا إليها بحثاً عن الأمان.

مر عامان من اعتبار "سربرنيتسا" منطقة آمنة، شهدا أيضاً مناوشات وحصاراً للأهالي المحتمين فيها، وفي شهر يوليو/تموز 1995، بدأت القوات الصربية في هجماتها على مدينة "سربرنيتسا" التي بقيت باتفاق سابق تحت حماية القوات الأممية كمنطقة آمنة للمدنيين، لكن الوحدة الهولندية التي كانت عاملة ضمن قوات الأمم المتحدة آنذاك سلمت المدينة للصرب دون أي مقاومة.

هنا انقسم سكان المدينة العزل إلى فريقين؛ أحدهما فر إلى الغابات في محاولة للوصول إلى أقرب مدينة يسيطر عليها الجيش البوسني المسلم، وهي "توزلا"، وتبعد عن سربرنيتسا تقريباً 100 كم، إلا أن الميليشيات الصربية أعدت لهم كمائن في الطريق، وقتلت معظمهم ودفنتهم في حفر.

الفريق الآخر بقي بالمدينة مع النساء والأطفال، دخل الصرب مدينة "سربرنيتسا" وتجول الجنرال العسكري "راتكو ملاديتش" في أنحاء البلدة أمام وسائل الإعلام تصوّره، وهو يخاطب المدنيين المجتمعين "لا تخافوا، واسمحوا للنساء والأطفال بالمرور للخروج من المدينة، لن يتعرض أحد لكم بأذى".. هنا تعالت صيحات المدنيين بعدها: "شكراً لكم"! في حضور وسائل الإعلام.

وبعد أن ذهبت الكاميرات بدأ الصرب في فصل كل الذكور من سن 14 عاماً فما فوق عن النساء، واقتادوهم ولم يسمع سوى صوت نباح الكلاب وطلقات الرصاص، وسط صمت مريب من القوات الأممية، وتم دفن الضحايا في مقابر جماعية، وهكذا خلال 3 أيام فقط جرى قتل 8372 مسلماً هم ضحايا مجزرة سربرنيتسا وحدها، ولا تزال الفرق الدولية تبحث عما تبقى من رفات الضحايا والرفات الذي يجري التعرف على هوية أصحابه يتم إحضاره في يوم 11 يوليو/تموز سنوياً إلى مقبرة بوتوكاري المخصصة لضحايا هذه المجزرة للدفن.

مدن أخرى شهدت مذابح كبيرة مثل بريدور وغيرها، إلا أنها لم تحظَ بنفس الاهتمام الإعلامي الذي حظيت به سربرنيتسا؛ نظراً لأنها تفضح كم هو متواطئ ما يسمى المجتمع الدولي، وكم تحكمه المصالح لا تحركه صرخات الأبرياء، فهل هذا الحكم بالمؤبد كافٍ لطيّ صفحة "ملاديتش" الملطخة بالدماء؟ وهل آن لضحايا حرب البوسنة أن يرقدوا في سلام؟

women pray in the mosque

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.