المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد سامي علي Headshot

مصر التي لن تباع

تم النشر: تم التحديث:

مصر التي لا أعرفها، يكيل فيها أهلها بمكيالين؛ فينتفض الناس لظلم من ينتمي إليهم، ويغمضون أعينهم بدم بارد عن ظلم من ليس منهم، بلد أصبح أهلها يبررون قتل الآخر بألف حجة، ثم يذهبون ليناموا قريري الأعين.

مصر التي لا أعرفها، يموت فيها الفقير، ويخشى منها الغني، ويهرب منها المظلوم واللاجئون.

مصر التي لا أعرفها، يُسجن فيها شبابها المحبون لها عن حق ودون مقابل، ويحرر فيها المفسدون؛ لينعموا بخيرها.

مصر التي لا أعرفها، يُقتل المتظاهرون السلميون والمتهمون بالأقسام على يد مَن وجب عليهم حماية أهلها والدفاع عنهم، وليس قتلهم.

مصر التي لا أعرفها، أصبح فيها الدين سلعة وتجارة، وأصبح الدين يضيق بالمخالفين، وأصبح شيوخها أبواقاً منفرة وليست جاذبة ومُظهرة عظمة الله وجمال دينه.

وأتذكر عندما كنت طفلاً لا أتعدى العشر سنوات، أدرس أن مصر عظيمة صامدة أبد الدهر في وجه المعتدين، من الهكسوس إلى الإنكليز "ما قدروش علينا"، كما كان يقال لي، ولكني كنت أتساءل لمَ؟ لمَ دوماً ما تقع مصر فريسة؟ كانت الإجابة المعتادة أن مصر ميّزها الله دون البلاد بموقع مميز، بمناخ ليس له مثيل، برخاء يدوم، بنيل يفيض.

ويظل الشك يواتيني، أُمة بتلك الإمكانات، بتلك الحضارة التي يتحاكى بها العالم كله، بالريادة في كل شيء منذ قديم الأزل، بالأولية في الحياة على وجه الأرض، يكون تاريخها ومجدها كله تحريراً للأرض فقط؟ مجرد تخليص من محتلين يتوالون على البلاد ينهبونها سنين فحسب، ذلك هو تاريخ أمتي، بطولة في الشدة فقط، فلم تنعم مصر قبلاً.

لم أفكر حينها أن البديل لذلك لا بد أن يكون تاريخاً استعمارياً، أو حتى محاولات إمبريالية باءت بالفشل، كل ما فكرت فيه أن تاريخ بلادي كان يستحق على الأقل أعواماً هادئة، ليست بالهنيّة، على الأقل بالمقبولة، على عكس ما وجدت تماماً، حتى حينما درست تاريخ مصر في ظل الفتح الإسلامي وما تلاه، لا أجد سوى حروب حولها، وهي يتواكب عليها الحكام والصراع والخلفاء، تقع في مجاعات، تغطي مياه النيل الجثث بالفيضان، تردم تلك الحكايات للأبد.

لم أسعد بفترة في تاريخ مصر، شعرت أن هناك مَن قدر أنها قد تكون نواة خير، إلا حينما درست مصر في ظل حكم محمد علي، الذي سرعان ما أبهرني بالإنجازات التي حُكي عنها، ولكن مع تدفق التفاصيل، المصريون مصريون، الطغاة طغاة، الحزن خيمة يبيتون جميعاً فيها منذ قديم الأزل لا اختلاف.

كنت قد أقبلت على اجتياز المرحلة الثانوية، واقتربت امتحانات العام الدراسي الثاني الذي به أتم السنة، حتى تفجرت في الشوارع "مظاهرات"، وكم كان ذلك جديداً عليّ، فلم أعتَد في حياتي على نداءات صاخبة ضد الحكومة التي قد صدقت تماماً أنها جندت الحوائط، وأن "الحيطان لها ودان".

لم ينبس أحد في بيتي بنصف كلمة معادية للنظام يوماً، ربما أن صادف وحدث فلن تتعدى مرة أو اثنتين في حياتي.

تفجرت الثورة! ثار طوب الأرض! شعرت لأول مرة بالخوف، يقال إن الناس تموت، الشرطة التي صوّرت لي أسوأ أشكال الرعب تتفرق وتتشتت، المجرمون خارج السجون، الشعب يتوحد.

حين وعيت أكثر، وعرفت التاريخ أكثر، وعيت مدى التشابه بين اليوم والبارحة، كنت كلما تذكرت ثورة يناير/كانون الثاني ورد معها الثورة التي رأيت فيها وطني، رأيت فيها مصر تنادي مرتين وحيدتين باسمها، المرتان اللتان وجدت فيهما صوناً لمصر، من بينهما ثورة 1919.

بالتفصيل كنت أجد أوجه التشابه، فضلاً عن أن في حالة يناير كان المحتل من بني مصر، على عكس تاريخها الماضي كله.

والآن بعد أن قضيت من العمر لا شيء في معدلات التاريخ، أجد نفسي قضيت آلاف السنين، بتاريخ كنت وما زلت ألوذ إليه شوقاً وحنيناً، أجد الآن نفسي في موقف المُقارن.

بعد أن عرفت الخطوط العريضة عن تاريخ مصر، عن كل ما حدث فيها وكل ما مر عليها من مآسٍ كما علمت أنها كلها بفعل احتلال، لم أجد بين صفحات الكتب، في المسودات وحتى في الصفحات الإلكترونية سطراً يقول : "وقد باع المصريون من مصر أرضاً لغريب".

حتى عشت لأعاصر "الأيام المهببة" تلك التي سمعت عنها، تلك الأيام التي أصيبت مصر فيها بخيبة كبيرة، نكسة متكررة على مر التاريخ، تلك الكوارث التي تتحول من مواضيع يتحاكى بها المصريون في الطرقات والمقاهي والجلسات إلى مواضيع تؤلمهم ألماً لا يسكتون عليه، يهتفون ضده ويعترضون عليه ويكتبون عنه قدرَ ما استطاعوا.

جاءت أنباء بيع الجزر المصرية في البحر الأحمر أو التنازل عنها عليّ بالصعق والمفاجأة، صرت لا أدري مثوى أفكاري، هل حزين أنا أم منبهر؟ غير مصدق، كيف لمصر أن تنحدر لهذا الحد؟ لم أشهده قبلاً فيما عرفت عن ذلك الوطن قديماً.

حتى وجدت خبر إقرار التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، فأصبحت يائساً أو ربما مكتئباً أو باكياً بلا دموع.

لعلي أعيش الآن حدثاً لم تشهده مصر بعد، لعلي أنا الآن في موضع العبرة لا المعتبر.

صرت الآن كالدراويش بين ثنايا الكتب، بين صفحات تاريخ الوطن، أتلوي في حزن أُغني:

يا عزيز عيني
وأنا بِدي أروح بلدي
بلدي يا بلدي
والسلطة باعت بلدي



ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.