المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد سامح  Headshot

#الفشل_علمني | أنا اللي بالأمر المحال اغتوى

تم النشر: تم التحديث:

لا وجود للأشياء إلا لوجود تضادها. هكذا تعلمنا، وهكذا صرنا نعرف، فلا وجود لليقين إلا إذا عرفنا أن هناك شكاً، ولا وجود للظلام إلا لمعرفتنا بوجود النهار، وهكذا الدنيا؛ لن تستطيع معرفة طعم النجاحات إلا إذا ذقت الفشل. إذا أردت أن تتعلم في إحدى الجامعات الدولية أو أردت إلحاق أحد أبنائك بها فستدفع لها بالعملة الصعبة إن استطعت، فلا شيء يأتي بالمجان، وهكذا هي الحياة؛ تتعلم منها ولكن لن تعطيك شيئاً بغير مقابل، هذه هي ضريبة التعلم، ولكن لا تخف؛ لن تدفع بالعملة الصعبة.

أخبرني أحدهم أنه لكي تتعلم السباحة لابد أن تحرق مراكبك الآمنة وتترك كل الموانئ وشواطئك وتنزل لكي تتعلم، وكذلك التعلم؛ لن تتعلم وأنت على البر، لابد أن تخوض التجربة لتتعلم بنفسك، ليس هناك شيء تخسره فما فقد كان الضريبة العادلة للتعلم.

الشغف أحياناً يدفعنا لتجربة بعض الأشياء حتى وإن كنا نعرف النتائج الحتمية للتجربة بأنها لن تنجح، ولكن نخوضها. الشاعر صلاح جاهين أيضاً أخبرنا بذلك:
أنا اللي بالأمر المحال اغتوى
شفت القمر نطيت لفوق في الهوا
طلته ماطلتوش .. إيه أنا يهمني
وليه .. ما دام بالنشوى قلبي ارتوى
___
لا أحد فينا يعرف نتيجة قراراته، ولسنا نعلم الغيب لنعلم نهايات تجاربنا، ولذلك نخوضها لكي نتعلم. منذ أربع سنوات خضنا وأبناء جيلي تجربة سميناها تجربة الثورة، والآن بعد انقضاء السنوات يعتقد البعض أنها فشلت، بغض النظر عن كثير من التفاصيل ولكن لولاها ما ذقنا طعم الحرية ولو لساعات لن أقول أيامًا.

ولولاها ما رأينا أنفسنا ولا الآخرين، لولاها لظللنا منغلقين على أنفسنا كل شخص يرى نفسه والمجموعة المحيطة به فقط، لولاها ما تعلمنا وما خرجنا للأنشطة الطلابية والمجتمع المدني، وما علمنا من الأصل أنه يوجد أشياء بهذا الاسم.

لا تقل إن الثورة فشلت ولكن قل إنها تجربة لم تكتمل ويوم ما سيأتي لإكمالها، قرب أو بعد، ولكنه سيأتي، ورغم انحسار الثورة، فما قبل 2011 لن يكون كالذي بعدها مهما حاولوا تغيير ذلك ومهما شُوهت الحقائق وزُيفت، فما قبلها ليس كما بعدها.

ولا أبالغ حين أقول إن تجربة كتجربة الثورة تركت أثراً في كل فرد عاصرها على كل المستويات حتى اختيارنا لطريقة تعليمنا.

المحطة الأولى والإخفاق الأول: على المستوى الشخصي، إذا ظللنا نسرد التجارب غير المكتملة أو ما نسميها فاشلة، فلن تكفينا مجلدات لتدوين تجاربنا، ولكن ألطفها وأكثرها تأثيراً في الفترة الأخيرة كانت تجربة خوض الثانوية الأزهرية؛ فهي من التجارب التي علمتني كثيراً، وكانت التجربة الأولى لي بعد فترة الثورة، وبعد محاولة تغيير أفكارنا تجاه التعليم، بدأت الأفكار والأسئلة: ما فائدة الشهادة؟ ما فائدة تعلم مواد قد لا تنفع في المستقبل في مجال دراستي الذي أحبه أو قد أختاره؟

وبدأت لا أجد الشغف أو حتى المقدرة لدراسة بعض المقررات الدراسية والمواد في السنة الأخيرة من مرحلة التعليم قبل الجامعي، وظهرت النتيجة، وانتقلت بمادة إلى دور ثان بالصيف، رغم أن المادة لا علاقة لها من قريب ولا بعيد بالمجال الذي كنت أنوي الالتحاق به، ولكني مُنعت منه، وفي بلد تأتي به الشهادات في المقام الأول والأخير فلم أستطع الالتحاق بالمجال الهندسي رغم حبي إياه واعتقادي أني أستطيع النجاح فيه، وقررت تعديل المسار، والتحقت بكلية التجارة التي كنت شغوفاً أيضا بالدراسة فيها، ولكن لم أكن أضعها في الحسبان، وتعلمت الدرس: لكي تحقق أحلامك لابد وأن تتعامل مع الواقع بقدر الإمكان شريطة أن لا يغيرها.

فشلت وقتها ولكن قررت أن أتعلم من ذلك وأقف على أرض أكثر صلابة، وخلال فترة التحاقي بقسم "اقتصاد" بالكلية استطعت السفر لحضور مؤتمر دولي، واستطعت هذا العام التسجيل بكلية التعليم المستمر بالجامعة الأمريكية لدراسة "التمويل"، ولولا تجربة الثانوية ما كنت قررت التحرك لتعويض ما اعتقدت أني فقدته، وتعلمنا أكثر أنه لن يكون أحد بجانبك عندما تفشل، بخلاف أوقات نجاحك فستجدهم متراصين، فلا تبالِ لعدم وجود أحدهم بجانبك وقت فشلك، لم أفشل إلا حين عجزت عن منعها من الرحيل، حينها فقط شعرت بالفشل حقاً للمرة الأولى، فشكراً للتجارب غير المكتملة التي تصنعنا وتجعلنا أكثر صلابة، شكراً للتجارب التي تعطينا الثبات على الطرق وتجعلنا أكثر اتزاناً، وشكراً للفشل لأنه كان معلمنا، وهو الوحيد الذي لن يطالبنا بالدفع للتعلم بالعملة الصعبة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.