المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد سلامة Headshot

الأرز السليق.. "الريزوتو الحجازي"

تم النشر: تم التحديث:

الريزوتو هو طريقة طبخ إيطالية شهيرة جداً يطبخ فيها الأرز الإيطالي ذو الحبة الصغيرة في مرق اللحوم أو الخضراوات، ثم يضيف له الطاهي، حسب رغبته، بعض مشتقات الحليب أو الخضراوات واللحوم المختلفة؛ لتجعل الخيارات مفتوحة للطهاة لصنع مئات الأطباق المختلفة من الريزوتو.

في مكّة هناك طبق مشابه لطريقة طبخ الريزوتو بشكل كبير، لكنه يطبخ بطريقة واحدة لا غير، ألا وهو الأرز السليق. ولست أدري إن كان أهل مكة قد أخذوا هذا الطبق عن شعب ما، ولكن أغلب الظن أنهم استوحوه من المصريين الذين يستخدمون أرزاً شبيهاً جداً بالأرز الإيطالي، وميزة هذا النوع من الأرز هو أنه حين يخلط بالمرق أو الماء يخرج منه نشاء أبيض اللون يمزج حبات الأرز ببعضها؛ لتعطي قواماً شبيهاً بالمهلبية المصرية، أو الجريش النجدي السعودي، وهو نفس قوام الريزوتو الإيطالي.

السليق في مكّة يصنع بطهي الخروف أو الدجاج مع بعض حبات المستكة* والهيل المطحون والسمن ثم يضاف لها الماء، ويتم سلق المكونات حتى النضج، بعد ذلك يتم استخراج اللحم أو الدجاج والإبقاء على المرق ليضاف له كمية أرز مصري، وحالما ينضج يتم هرس الأرز هرساً ويضاف له بعض الحليب والمزيد من السمن الحيواني، ثم يوضع الأرز في صحن كبير ويوضع فوقه اللحم أو الدجاج المحمر ثم يؤكل، لكنهم يضيفون له بعض الإضافات الأخرى الجانبية التي تعطي طعماً حرّيفاً مثل: سلطة حمراء تسمى (الدقّس)، وهي سلطة مكونة من طماطم وبقدونس وثوم وليمون وملح يتم طحنها جميعاً.

في إحدى المرات في مكة المكرمة وجدتهم يقدمون طبقاً صغيراً إضافياً آخر، وقد كان غريباً بعض الشيء وهو صلصة فلفل أحمر حار جداً مخلوط مع الروبيان الجاف! كما لاحظت أن بعضهم يقدمه مع المخلل المصنوع من ثمرة المانجو، وعلى الأرجح فإن هذه الإضافات من روبيان مجفف ومخللات تعود أصولها للهند أو شرق آسيا؛ حيث اعتاد أهالي الحجاز استلهام أطباقهم من هذه الدول ومن الدول الأخرى التي يحضر رعاياها للحج كل عام.

هناك نوع آخر شهير من الأرز السليق في السعودية، لكنه يتشابه مع السليق المكاوي بالاسم فقط، ويختلف في الطريقة ألا وهو السليق الطايفي، والسليق الطايفي يتم فيه طبخ الأرز في مرق اللحم أيضاً، لكنه لا يضاف له أي من المكونات السابق ذكرها، ويكتفى بإضافة الملح والسمن فقط، كما أنه يتم استخدام الأرز الهندي المعروف دوناً عن المصري، مما يجعل قوامه مشابهاً لأنواع الأرز الأخرى في السعودية.

واليوم أصبح يسمى هذا النوع في بعض مناطق الحجاز الأرز العربي، وهو طبق عربي خالص كما يبدو؛ إذ إنه يتكون من اللحم والأرز فقط، هذا إذا تغاضينا عن كون الأرز هندي الأصل والمصدر.

مصادر عدة قديمة تحدثت عن السليق المكاوي، أذكر منها مذكرات أحمد عبد الغفور عطار الرائعة (بين السجن والمنفى)، التي كانت تحكي قصة اعتقاله عام 1936 إبان عهد الملك عبد العزيز -رحمه الله- في سجني الفرن بمكة المكرمة، وهو قبو كان يستخدم للخَبْز وتحول لسجن، وسجن المصمك بالرياض، وحين طال مقامه بالمصمك عدة أشهر ذكر أنه كان يتسلى مع رفيقه بصنع الأرز السليق بنفس الطريقة التي ذكرناها أعلاه، ولا تسألوني كيف كان يحصل على المواد اللازمة، لكن يبدو أنه كان سجناً لطيفاً لا حزم فيه ولا شدة.

الطريف أن هذا الكتاب بقي حبيس أدراج الكاتب الراحل حتى صدر قبل أعوام قليلة جداً؛ ليصبح كتاباً مهماً يتحدث عن حقبة شبه غامضة في تاريخ السعودية؛ إذ إنه كتاب مليء بالمشاهدات والأوصاف الدقيقة البليغة لغوياً والممتعة قصصياً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المستكة: نبات صمغي له قوام العلك أو اللبان، له رائحة زكية فوّاحة وطعم مميز، يستخدم في الكثير من المأكولات كما أنه يمضغ كالعلك أو يتم حرقه؛ ليحل محل البخور لتعطير المنزل، وهناك مثل حجازي قديم يقول: بعد ما أكل واتكى قال ريحته مستكة، أي أنه بعد أن شبع واتكأ عاب على الأكل كثرة المستكة فيه، وهو مَثَلٌ يقال لمن يعيب على الشيء بعد الاستفادة منه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.