المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد سلامة Headshot

تجربة "طلال مداح" في السينما وتأثيرها على الفن السعودي

تم النشر: تم التحديث:

كان الفنان السعودي طلال مداح أول سعودي يشارك في فيلم سينمائي على الإطلاق، في تجربة رائدة كان لها عدة تأثيرات على الفن السعودي آنذاك، ففي عام 1964م قام ببطولة فيلم "شارع الضباب" مع المطربة اللبنانية صباح، ومن إخراج المخرج المصري سيد طنطاوي، ورغم أن التجربة لم تكن كاملة؛ حيث إن وزارة الإعلام السعودية استدعت طلال مداح قبل الانتهاء من تركيب الأصوات للاستفسار عن طبيعة الفيلم، مما أجبر منتجي الفيلم على تركيب صوت شخص آخر على مشاهد طلال مداح، إلا أن المشاركة أتت بثمارها من ناحية انتشار صيت طلال مداح والفن السعودي الناشئ آنذاك في أرجاء الوطن العربي.

قدّم طلال مداح أغنيتين في ذلك الفيلم أذيعت منهما أغنية واحدة فقط، أما الأخرى فلم تذَع لعدم تمكّن طلال مداح من تصويرها للظروف السالف ذكرها، الأغنية الأولى كانت من كلمات ميشيل طعمة، وألحان الموسيقار السعودي غازي علي، وكانت باللهجة والإيقاع المصري بعنوان (مش ده كلام ينقال) يقول فيها:

اسمحوا لي أقول لكم..
مش ده كلام ينقال
حتى ولو كلكم
كنتم عِدا وعزال
مش ده كلام ينقال

أما الأغنية التي لم تذَع فكانت بعنوان "حبايبي بالميات" من كلمات ميشيل طعمة، وألحان اللبناني محمد محسن، وهي أيضاً باللهجة المصرية الخالصة.

بعد ذلك الفيلم بدأ الطلب على طلال مداح يزداد في مسارح بيروت ويزداد انتشاره بطبيعة الحال، حتى التقى الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب عام ٦٥ وأعطاه اللحن العظيم "ماذا أقول"؛ ليعجب عبدالوهاب بأداء طلال ويوقّع معه عقد احتكار كان أن فسخه طلال مداح لاحقاً خوفاً وجهلاً بتبعات هذا الاحتكار؛ ليغضب عبدالوهاب وتبدأ قطيعة فنية بين الفنانين الكبيرين استمرت أكثر من عقد من الزمن حتى تعاونا مرة أخرى في أغنية "منك يا هاجر دائي" التي صاغ كلماتها أمير الشعراء أحمد شوقي.

تجربة طلال مداح مع عبدالوهاب فتحت له وللأغنية السعودية أفق التعاون مع ملحنين مصريين كبار فيما بعد، فبعد فيلم "شارع الضباب" أنتج طلال مداح وقام ببطولة مسلسل سعودي اسمه "الأصيل"؛ حيث قدم فيه عدداً من الأغنيات الجديدة كان من ضمنها لَحّنان للملحن محمد الموجي، ولكن هذه المرة من كلمات شاعر سعودي هو الأمير بدر بن عبدالمحسن.. الأغنية الأولى وهي أغنية طويلة مكوّنة من أربعة كوبليهات كانت بعنوان "لي طلب"، يقول فيها:
لي طلب عندك حبيبي
ربما كان الأخير
لي سؤال واحد حبيبي
ردّه يعني لي الكثير
شوف هواك مني وتأكد
ما تغير عن زمان
شوف رضاك عني وتأكد
برضه ما تغير كمان
ولا تخاف أبداً عليا
قلبي اعتاد الأسية
لو يكون دمعي فضحني
للأسف .. ما هو بإيديا
يا حبيبي

أما الأغنية الثانية فكانت من نوعية السهل الممتنع، فهي أغنية سريعة، ولكن معقدة في إيقاعاتها ولزماتها الموسيقية، وكانت بعنوان: "ضايع في المحبة". وكانت هذه الأغاني قد نجحت نجاحاً باهراً آنذاك، مما جعل الموسيقار بليغ حمدي يقدم لحناً أخاذاً لطلال مداح كان بعنوان "يا قمرنا"؛ حيث أداه طلال مداح على مسارح القاهرة في أوائل السبعينات الميلادية لتبدأ بعد ذلك رحلته الحقيقية في مصر.

بعد تعاون طلال مع بليغ قرّر الأميران الشاعران محمد العبدالله الفيصل وبدر بن عبدالمحسن أن يقدّما مع طلال على مسارح مصر أغاني سعودية صرفة شعراً ولحناً، فكان أن قدموا الأغنية التي تحولت إلى أغنية خالدة لاحقاً (مقادير) على مسرح الزمالك، بحضور تجاوز الثلاثين ألف مستمع، وكانت الأغنية من كلمات محمد العبدالله وألحان الموسيقار القدير سراج عمر. ثم توالى تقديم الأغاني السعودية على مسارح مصر وقدّم طلال مع رفاقه أغاني مثل: "الله يعلم، زل الطرب، طفلة تحت المطر، لا تقول، يا زينة يا أم الجدايل"، وغيرها الكثير.

في هذه الفترة حصل لقاء آخر بين طلال مداح والموسيقار رياض السنباطي؛ ليقدّم رياض لطلال لحن "رمتني بالنوى الأيام"، ليحفظه طلال مداح ويسجّله على العود.. لكن بعد سنوات ظهر طلال مداح للإعلام؛ ليعلنّ أن هناك أيدي خفيّة عملت لعدم ظهور العمل بشكل رسمي في قصة غامضة لم تتضح فصولها حتى اليوم، لكن الأمر الظاهر وغير الخافي هو كيف أثّرت تجربة طلال مداح السينمائية على الفن السعودي؟ وكيف ساهمت بانتشاره وتعريفه للعالم العربي؛ ليصبح طلال لاحقاً أسطورة سعودية عربية لا تزال حاضرة بيننا حتى اليوم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.