المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد سعيد  Headshot

فلتبنوا المشافي.. ولنبنِ السجون

تم النشر: تم التحديث:

شهران مرَّا على موجة التبرعات السنوية التي تأتي برعاية شهر رمضان المبارك، وثلاث سنوات مرت على ذكرى الانقلاب العسكري، وربما يظن البعض أن الأمرين بعيدان كل البعد عن ربطهما ببعض، ولكن بنظرة أخرى نجد أنها حلقة مفرغة يعيش فيها المصريون.

40 مليار جنيه تقريباً إجمالي ما جاد به المصريون في رمضان المنصرم، 45% تقريبا من إجمالي المبلغ تم التبرع به للشق الطبي الذي تقوم عليه المؤسسات والجمعيات الخيرية والمشافي التي تعالج الأمراض الحرجة، وباقي المبلغ الضخم أنفق على إفطارات الصائمين وحقائب رمضان للفقراء.

على الجهة المقابلة، قامت سلطة الانقلاب العسكري في الثلاث سنوات الماضية ببناء 9 سجون جديدة، وتشرع في بناء سجنين عموميين آخرين، تكلفة بناء السجن الواحد 750 مليون جنيه، أي أن إجمالي ما تم إنفاقه لهذا الغرض 8 مليارات و200 مليون جنيه، فضلاً عن زيادات الأجور والمعاشات والمكافآت للعاملين في السلك الأمني.

بهذا العدد الضخم باتت تملك السلطة العسكرية الحاكمة سجوناً عملاقة في 25 محافظة مصرية، إلى جانب معسكرات الأمن المركزي والشرطة العسكرية، ومقار الاحتجاز السرية، وفي الوقت ذاته يموت المصريون "الفقراء خصوصاً"؛ لأن عدد المستشفيات المتخصصة ذات الكفاءة في علاج أمراض الكلى والسرطان والكبد والقلب على مستوى القطر كلها لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.

مستشفى واحد متخصص في الأمراض المستعصية المذكورة عالياً، يتكلف ما بين 50 مليون جنيه و500 مليون جنيه، كل بحسب حجم أقسامه، وأجهزته، ومعامله، وكفاءة الأطقم الطبية العاملين فيه، وقدرته على استيعاب عدد المرضى التي سيقوم على علاجهم.

إن الشعوب التي تقوم بكفالة بعضها هي شعوب عظمية بكل تأكيد، ولكن هذا لا يعفي الحكومات والأنظمة من واجباتها في رعاية مواطنيها، ولكن الأسوأ أن تقوم هذه الحكومات ببناء هذا العدد من السجون، واستيراد هذه الكميات من الأسلحة (15 مليار دولار تقريبا) حتى تقتلهم بها، بدلاً من أن تعالجهم.

ومن المقاربة لما وصلنا إليه هو حادثة الطفل "أحمد" الذي خاطر بحياته فعبر على زورق تهريب، البحر المتوسط، ليصل إلى شواطئ جزيرة "لامبيدوزا" الإيطالية باحثاً عن علاج لمرض لأخيه النادر، فتعتقله الشرطة الإيطالية، فتصل قصته للإعلام، ويتعاطف معه الكثيرون وينجح في الحصول على ما أراد.

إن كثيراً من المسببات لإصابة هؤلاء الملايين من المصريين بهذه الأمراض، تتركز في ممارسات وقوانين وفساد سهّلته هذه الحكومات، ومن ثم مرض المصريون، ثم حثتهم الحكومات ذاتها على التبرع لعلاج أنفسهم، بينما تبقى النسبة المخصصة للقطاع الصحي في الموازنة العامة للدولة 5.4% فقط من إجمالي الإنفاق العام.

لن يستطيع 30 مليون مصري أن يخوضوا غمار تجربة "أحمد"، ولن ينظموا رحلات هروب جماعي إلى إيطاليا أو فرنسا عبر البحر، وبذلك نعيد تجربة اللاجئين السوريين الفارين من الحرب؛ لنؤسس للمرة الأولى ربما في التاريخ موجات نزوح ولجوء للحصول على العلاج.

ربما هناك اقتراح لن يجد صدى، ولكن نقوله لعل عاقلاً يسمع، وأميناً ينقل، لنتفق "نحن الشعب" مع السلطة العسكرية "اتفاق جنتلمان"، من طرف أول وثانٍ:

الطرف الأول "الشعب": إذا كان الإرهابيون "كما تصفونهم" يضرون المجتمع، ويعرضون سلمه للخطر، فدعونا نتبرع بأموالنا في رمضان وغير رمضان، وبزكاتنا، وأضحيتنا، و"بحلل بليلة عاشوراء"، وبكعك العيد، نتبرع بكل هذه الأموال لبناء السجون وشراء الأسلحة، ونكون قائمين على تنفيذها وإدارتها، فنحن المجتمع أصحاب المصلحة في مواجهتهم، ونرفع عنكم هذا العناء.

وعلى الطرف الثاني "السلطة العسكرية" التوقف عن شراء الأسلحة وبناء السجون، ولتبنوا لنا بأرباح أموالنا وأصولنا في موازنة دولتنا التي تحكمونها قسراً، المشافي، على طول البلاد وعرضها، ولتوفروا لنا العلاج، أو على الأقل أن تساوونا بضباطكم وقضاتكم.

أعلم أن هذا اتفاق لن ينفذ، فإن الموت الذي تؤسسه الانقلابات العسكرية يدفع البعض للخوف خشية الموت والتنكيل، أما لدى المريض منتظر الموت، فإنه يؤسس لديهم إحباطاً، وغضباً مكتوماً، ولا تنتظر من منتظر الموت خوفاً من موت، فهو يموت في اليوم ألف مرة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.