المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد سعيد  Headshot

يا أيها الكافرون: أنتم المؤمنون حقاً

تم النشر: تم التحديث:

إذا كنت شاباً من مواليد الثمانينيات أو التسعينيات فلا تقلق إذا اتهمك أحد بـ"الكفر"، فأنت بالفعل "كافر"، وإذا كنت عربياً، تعيش في منطقتنا "السعيدة، الهادئة" فثق بأنك كي تعيش إنسانا سوياً سيلازمك لقب "كافر".

لا تقلق من المقال وكاتبه، فلست بصدد دعوة للكفر بالمولى عز وجل، ولكن اعلم أن أي كفر يستلزم معه إيماناً، بمعنى، أنك إذا كنت كافراً بفكرة ما فأنت بالتأكيد مؤمن بأخرى، والدنيا مسرح أفكار تكفر ببعضها تارة وتؤمن بأخرى تارة أخرى، فإذا اقترن اسمك بـ"الإيمان" تجاه فكرة فمقرون بك أيضاً "الكفر" تجاه فكرة أخرى. على كل حال أنت "المؤمن والكافر" في آن واحد.

في الخمس سنوات الأخيرة في مصر خاض كثيرون رحلة كرحلة النبي إبراهيم عليه السلام، أو الصحابي سلمان الفارسي، في بحثهما عن إله يستحق العبادة، رحلة بحث عن "إيمان" و"كفر" في آن واحد، هذا ما جرى في مصر لهؤلاء الذين كان قدرهم أن يولدوا في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، لم يكن هؤلاء يبحثون عن إله، ولكنهم كانوا يبحثون عما هو أقل من ذلك بكثير، كانوا يبحثون عن "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية"، يبحثون عما أقره الإله لهم من مزايا، ولكن من ارتدوا بزات عسكرية سرقوا تلك المزايا واستخلصوها لأنفسهم.

الجيش، الثورة ،التنظيمات السياسية، الشعب، الغرب، خارطة الطريق، الشرطة، الديمقراطية، الموت، الخرطوش، الحياة، الرصاص، الدولة، التوافق، الانتخابات، الدستور، البرلمان، الميدان، الإعلام، رحلة طويلة خاضها الكثيرون بين كل ما فات من كلمات للبحث عن إيمان بشيء وكفر بشيء آخر. كثيرون ماتوا في هذه الرحلة. قهراً، وحرقاً، واختناقاً، ورصاصاً. والبعض "ألحد" ورفض الاعتقاد بأي شيء.

بعد خمس سنوات من رحلة مواليد "جيل الكفر والإيمان" بدا الأمر وكأنه أكثر سهولة، كل شيء واضح للغاية، قادة الجيش لم يعد يؤمن بهم هذا الجيل بانتسابهم للوطن، وبالتالي كفروا بوطنيتهم، وترسخ الإيمان بحتمية زوال الجهاز الشرطي، والكفر في ذات الوقت بإمكانية إصلاحه.

الديمقراطية هي الأخرى كانت محل تنازع بين الكفر والإيمان، فهذا الجيل كفر بها لأنها لم تورثه إلا انقلابا عسكريا راح معه كثير من أصدقاء عمرهم، وآمنوا بأن لا ديمقراطية إلا بمجتمع قوي قادر على حمايتها بكل وسيلة ممكنة.

التوافق نفسه كان محل خلاف، فالكثيرون كفروا بتوافق "التنازلات" وليّ الذراع، ولكنهم آمنوا بالتوافق التشاركي المبنيّ على الاحترام وتكامل الأدوار، كفروا بالدستور الذي يؤسس لدولة ظلم يكتبه البعض في الخفاء، وآمنوا بدستور حقيقي يحمي الحقوق والحريات والفقراء والمهمشين.
حتى السجون كانت محل صراع بين إيمان وكفر، أبناء جيل العقدين الأخيرين من القرن الأخير، كفروا بالسجون التي غيبتهم وراء أسوارها وأضاعت أحلى أيام حياتهم، وآمنوا بها كمكان طبيعي للقتلة والفسدة.

العزوف عن الانتخابات البرلمانية والعمليات التصويتية كفر، وتجاوز نظريات السياسية وكاتبيها كفر، رفض السيطرة والطاعة العمياء كفر، غياب الثقة بالعجائز كفر، تجاوز أصحاب الحناجر العالية كفر، تجاوز مدعي البطولة والرجولة كفر، المؤمنون يبدأون طريق إيمانهم بالكفر.

ما جرى في التحرير في يناير 2011، ومحمد محمود نوفمبر 2011، والعباسية مايو 2012، والحرس الجمهوري والمنصة ورابعة والنهضة ورمسيس في يوليو وأغسطس 2013، و6 أكتوبر وذكرى يناير، وبراءة مبارك، واستفتاء دستور العسكر، وانتخابات رئاسة السيسي، وصولا لانتخابات برلمان الجيش في أكتوبر 2015 كل ما جرى كان صراعاً بين "كفر وإيمان". كفر بالقتل والقمع والسجن، وإيمان بالعدل والحرية والثورة.. يا أيها الكافرون: أنتم المؤمنون حقاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.