المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد السعيد  Headshot

الذكرى تنفع الثائرين

تم النشر: تم التحديث:

"التاريخ يعيد نفسه" كثيرا ما نسمع هذه العبارة، في المدرسة، والجامعة، وفي الشارع، وعلى المحطات الفضائية، قرأناها في الكتب، وعلى صفحات الجرائد، لكن هل التاريخ يعيد نفسه حقا؟ أم أننا نحن من نكرر الأحداث التاريخية، ربما حتى بنفس تفاصيلها القديمة؟.

تقول الروايات التاريخية إن ثورة شعبية عارمة، اجتاحت مصر في أواخر عهد الأسرة الفرعونية السادسة, خرج خلالها المقهورون من أبناء شعب مصر، يجأرون مما حاق بهم من المظالم والنكبات, بعد ما قدموه من تضحيات وبطولات دون كلل أو ملل, وبعد أن بنوا أهراما شامخات لا تزال غرة في جبين الدهر.

ورغم أن هذه الأهرام العظام بناها المصريون الكادحون على أكتافهم العارية، دونما جزاءً أو شكورا, فإنه كعادة التاريخ والمؤرخين، اللذين يسطرون تاريخ الملوك لا الأمم, وتاريخ الفرد لا التاريخ الحقيقي, تاريخ الشعوب, حتى هذا التاريخ لم يرحم هؤلاء أو يرد لهم شيئا ولو يسيرا يبقى لهم ذخرا على الأيام, فإن هذه الأهرام الخالدة إنما تعرف بأسماء الطواغيت الذين أمروا ببناءها.

انتشرت المظالم، وعم البلاء, واشتد الكرب, وضعف سلطان الفرعون, وقويت شوكة الأمراء والإقطاعيين, وانهار الاقتصاد، ولأن الضغط يولد الانفجار، وكلما زاد القهر والعسف يزداد الغضب، وكلما زاد الغضب تقع الثورات.

وقعت الثورة في عهد الفرعون بيبي الثاني، الذي حكم البلاد 94 عاما متواصلة, تصلبت خلالها شرايين الدولة، وساءت الأمور, وانزوى الملك في قصره مستسلما ومسلما عقله وأذنيه لرجال القصر والحاشية ومستشاري السوء, الذين غذوه بالأكاذيب من ناحية, وحجبوا عنه أحوال البلاد السيئة من ناحية أخرى.

خرج الشعب ثائرا على تزاوج السلطة بالمال, وعلى فساد الأحوال وتسلط الأمراء, وضعف الملك الذي استمرأ السلطة وأهمل شعبه، على القهر والظلم، على خيانة رجال الدين والقضاة الذين ساروا في ركب الفرعون، فوق رؤوس شعبهم.

وكانت ثورة شعبية حقا, فقد شارك في هذه الثورة العارمة كل أطياف الشعب، حتى بائعي الحلوى وصانعي الجعة, فكان الخطب الجلل والطامة الكبرى التي انهارت على إثرها الحكومة بكل أجهزتها ودواوينها ومحاكمها, ونهبت السجلات, وديست القوانين بالأقدام في الساحات العامة, وأفشيت الأسرار المقدسة, وذبح الثائرون الموظفين وسلبوا دفاترهم, ولم يعد لكبار الموظفين كلمة مسموعة, وانهارت الملكية وأصبح الناس يظهرون العداء للملك, ونهبت مقابر الملوك وحطمت تماثيلهم.

ومع ضعف الدولة وسقوط هيبتها, التي أسقطها الظلم والقهر، أو بمعنى أدق, انهيار الدولة, تجاسر السراق والنهابون, فكثرت حوادث قطع الطريق، وأصبح على الأفراد حماية أنفسهم, حتى الفلاح يذهب إلى حقله حاملا درعه, حتى أن الرجل ليذبح بجوار أخيه فيتركه وحيدا لينجو بنفسه.

وتدهورت الحالة الاقتصادية للبلاد، وتوقفت عجلة الإنتاج, وبارت الزراعة، وهجر الناس الحرف والصناعات, وعم الفقر والخراب, وهجرت الأرض, وتركت المواشي تهيم على وجوهها ولم يعد هناك من يعتني بها, وتعطلت التجارة الخارجية التي كانت قد نشطت في عهد الدولة القديمة مع فينيقيا وبلاد النوبة وبلاد بونت وغيرها.

وعم القحط, حتى أن الناس كانوا يقدمون على الانتحار هربا من هذا الجحيم الذي استحالت إليه مصر, حتى أصبحت التماسيح في تخمة من أجساد المقهورين والضعفاء.

وهاجم الرعاع والدهماء قصور النبلاء, واستباحوا حرمات الأميرات والسيدات الشريفات، وأصبح اللحم الملكي كلأً مباحا للسوقة والرعاع, ولجأت العديد من الأميرات إلى أن يبعن أجسادهن رخيصة لقاء لقمة تسد رمقهن.

ولكن الأخطر من كل هذا, هو فشو الإلحاد في مصر, رغم ما عرف عن المصريين القدماء من تعلق بالآلهة, حتى أن الحكيم إيبور يقول:

"صار الرجل الأحمق يقول إذا عرفت أين يوجد الإله قدمت له القرابين"

" إن القصابين يذبحون الأوز ويقدمونها للآلهة على أنها ثيران"

واستمر الوضع على ما هو عليه من سوء وقبح، حتى ضعفت البلاد تماما، فغزاها الأجانب وساموا أهلها الذل والهوان, واستمر الحال هكذا طوال عهد الانقطاع الأول الذي استمر زهاء 150 عاما، حتى قامت الأسرة الحادية عشرة، التي أعادت الأمور إلى نصابها.

ورغم مرور آلاف السنين على الثورة، إلا أنها لا تزال حاضرة في حياتنا المعاصرة، وكأنها ناقوس خطر ينذرنا أن الظلم هو رأس كل خطيئة، أن القهر يدفع المقهور إلى الانتفاض، إلى القتل، إلى الكفر، كفر الناس برجال الدين الخونة عبيد الملك، والقضاة المنتفعين الذين إما يرهبون جانب الفرعون أو يتملقونه بظلم الناس، نذكر الثورة القديمة ونحن نودع الثورة الحديثة ولسان حال ذوي الألباب يقول: إن التاريخ يعيد نفسه..فهل من معتبر؟