المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد رضا Headshot

تطور المعرفة العلمية!

تم النشر: تم التحديث:

كان التصور السائد عن تطور المعرفة العلمية مبنياً على تصورين:

الأول، أن تاريخ العلم عبارة عن عملية تدريجية من إزاحة الجهل وإحلال المعرفة والمعتقدات الصحيحة محل الخرافات والمعتقدات الخاطئة.
والثاني، أن تاريخ العلم عبارة عن تاريخ من العبقرية لأشخاص ذوي ذكاء فائق، حققوا إنجازات استثنائية، وتمكنوا من حل معضلات كبيرة، مثل كوبرنيكس، وجاليليو، ونيوتن، وأينشتاين، وماكسويل، وداروين، وفرويد، وماركس، وفيبر ودوركاييم، وغيرهم من الأسماء اللامعة في تاريخ العلوم.

من الجدير بالذكر، أن دراسة فلسفة العلوم اتخذت إما شكلاً منطقياً، وإما شكلاً يمكن أن يسمى تاريخانياً، وفي لحظات كثيرة بدا أن وجهتي الظهر من الصعب أن يتفقا.

خلال القرن العشرين تعرض التصوران السابقان للتمحيص مرة تلو المرة، وكانت أبرز تلك التمحيصات هي نظرية "توماس كون" الفيزيائي ومؤرخ العلم والفيلسوف الأميركي الكبير، وهي نظرية "التحول الثوري للعلم".

من خلال دراسته لتاريخ العلم، وجد "كون" أن تطور المعرفة العلمية اتخذ منحىً ثورياً، بحيث مثلت مسيرة العلم مجموعة من القفزات الكبري، أو ما سماه "الثورة العلمية".
افترض كون "مجتمع العلماء" يمارسون حل المشكلات العلمية وفقاً لمجموعة من الافتراضات الأولية المتفق عليها، والتي لا تخضع للتمحيص في كل مرة تمثل ما أسماه "نموذج إرشادى/برادايم" وسمى هذه الممارسة "العلم القياسي".

يظل العلم القياسي مستمراً حتى تظهر مشكلات يعجز البرادايم الحالي عن حلها وتحدث الثورة العلمية، حينما تتعرض الفرضيات الأساسية للنموذج، للتمحيص عند ظهور فرضية تناقض النموذج السابق، وتحل مشكلة عجز النموذج السابق عن حلها وتلك الممارسة سماها "كون" "العلم الثورى".
يحدث الانقسام في المجتمع العلم وتفرض النظرية الجديدة نفسها عن طريق حلول لمشكلات كان من المحال حلها، وفقاً للنموذج السابق وتنتصر بانضمام المزيد والمزيد من العلماء للمناصرين لها.

من النظرية تلك ظهرت فكرة "التفكير خارج الصندوق" الشائعة، والتي تعني أنه ما إن يُعاد النظر في فرضية أو بديهة أو مسلمة، حتى تظهر لنا حلول لم تكن متصورة في الطريقة القديمة.

وفقاً لذلك يصبح لدينا اختلاف جذري بين النظرية السابقة والحالية بدءاً من الفرضيات البديهية، وحتى المفاهيم والمصطلحات والمسميات، بحيث يصبج الجديد مختلفاً كلياً.

بذلك تظهر لنا نتيجة غاية في الأهمية، وهي "استحالة مقارنة النظريات"، وذلك نتيجة الاختلاف المفاهيمي الذي يتعذر معه المطابقة بينهما، وهو المبدأ الذي سبق وأشار له فيلسوف العلم "بول فييرابند" في مقال سنة 1962 والمسمي "مبدأ اللامقايسة".
عنت نظرية "كون" أن "مجتمع العلماء" في زمان ما، ينظرون إلى أمر ما، يمكن اعتباره منظاراً ما، يختلف عن مجتمع علماء في زمن آخر أو لديهم بارادايم آخر..

باتت المعرفة العلمية إذا وجهة نظر، وهو ما يؤدي إلى نوع من النسبوية المعرفية، وهي التي تعني أنه لا يوجد حقيقة مطلقة، وكل الحقائق نسبية، وحتى إنْ وجدت حقيقة فلا يمكن الوصول إليها، وفقاً لطبيعتنا البشرية، وأدواتنا المعرفية، وقد ألقى ذلك بظلال من الشك حول "موضوعية العلم".
رغم أن توماس كون لم يصرح قط بالنسبوية، بل من الراجح أنه كان سيرفض النتائج التي ترتبت على نظريته، والتي تشكك في موضوعية العلم.
من زاوية أخرى حدث خلال تاريخ العلم، أن توصل عالمان أو أكثر إلى نظرية جديدة بمعزل عن بعضهما. مثل توصل نيوتن وجوتفريد ليبنتز إلى التفاضل والتكامل، كل على حدة ودون اتصال.

وكذلك داروين والفريد والاس إلى نظرية التطور منعزلين والتقيا بعد ذلك.
يشير ذلك أن هناك عوامل بنيوية تدفع إلى أن النظرية نصبح ناضجة كثمرة فاكهة وتنتظر من يقطفها. بحيث إنه لو لم يظهر أحد العباقرة في تاريخ العلم كان سيأتي حتماً أحد ما ليعلن عنها.

في مناظرة مع نعوم تشومسكي، قال ميشيل فوكو إننا يجب أن نركز على البنية دون الالتفاف إلى ما يمكن اعتباره طبيعة بشرية خاصة.
وفقاً لذلك لم تعد تطور المعرفة العلمية مسألة عبقريات تظهر لتحل لغزاً. بل باتت تعود أكثر إلى بنية اجتماعية وسياسية واقتصادية تحيط المجتمع العلمي. وتمثل تلك الفرضية عقبة أمام "موضوعية العلم"، ولكن المسالة تخرج عن نطاق الموضوع الحالي.
اختلفت إذن النظرة إلى تطور المعرفية العلمية، وظهر إثر ذلك نتائج فلسفية مهمة ولا يزال الجدل مستمراً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.