المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد رضا Headshot

فكرة "نهاية التاريخ" فى الفكر الحديث!

تم النشر: تم التحديث:

عقيدة "الحياة بعد الموت" تعتبر ركناً في الغالبية العظمى من الأديان، وتتفق من بينها الأديان الإبراهيمية (اليهودية والمسيحية والإسلام) على عقيدة "اليوم الآخر " الذي سيحاسب الله فيه المخطئين ويثيب المؤمنين والصالحين بـ"الجنة" والنعيم الأبدي.

ويعتبر الإيمان باليوم الآخر ركناً من أركان الإيمان الستة عندنا نحن المسلمين، وتوجد عقيدة أخرى هي قيام يوتوبيا أرضية في نهاية الزمان، وهي أقل اتفاقاً من الأولى عند معتنقي الأديان، وتتمثل في أحداث آخر الزمان المعروفة.

أخذت الحداثة منذ حركة التنوير الغربي موقفاً معادياً للدين في المجمل نتيجة ظروف تاريخية، رغم أن عدداً كبيراً من روادها ومفكريها كانوا مؤمنين، ولكن غالبيتهم أيضاً كان له موقف من الدين مختلف غالباً عن موقف الهيئات الدينية التقليدية، حتى إن عدداً كبيراً منهم تم رميهم بالإلحاد مثل اسبينوزا وفخته وهيوم.

نادى مفكرو الحداثة بسلطان العقل واعتباره المرجعية الأولى في التعامل مع العالم لأجل تأسيس منظومة معرفية وأخلاقية ووجودية مؤسسة على العقل، يقول رينيه ديكارت: "العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس"، وفي مقاله "ما الأنوار" دعا إيمانويل كانط إلى تحرير الإنسان ودفعه إلى التحرر باستعمال عقله، ويغلب على العقل الحداثي عموماً النظرة المادية والوضعية للعالم.

في العموم الحلم بيوتوبيا أرضية قديم قدم الإنسان ذاته، ومنذ أفلاطون ناقش الفلاسفة والمفكرون مراراً وتكراراً كيفية إقامة المدينة الفاضلة، وكان مفكرو الحداثة يأملون في إقامة هذه اليوتوبيا بفضل العقل.

رغم هذا الموقف من الدين فإن صورة معدلة من عقيدة "نهاية التاريخ" وجدت مكانها في الفكر الحداثي منذ أن أعلنها هيغل لأول مرة غداة دخول قوات نابليون بونابرت إلى مدينة "يينا"؛ حيث كان يعيش الأول، فطبقاً لهيغل فإن التاريخ يتحرك نحو غاية محددة هي "الحرية" وفقاً لمنطق التطور الجدلي/الديالكتيكي؛ حيث إن قيام المجتمع أو الدولة القائمة على الحرية الحقيقية للإنسان هي الغاية القصوى للتاريخ.

ويؤسس هيغل منطقه على أساس الرغبة في الاعتراف الذي يمثل هدفاً للإنسان كمميز له عن باقي الكائنات، التي تتسبب في الصراع الذي سينتهي بتحقيق المساواة بين الجميع، بحيث يصبح الجميع على نفس الدرجة من الحرية والمساواة التي تمنحهم لهم الدولة، وبذلك باتت الدولة الليبرالية الديموقراطية غاية التاريخ ونهايته.

عاصر هيغل كلاً من الثورتين الفرنسية والأميركية وكان يأمل أنهما بنصهما على المساواة بين البشر قد مثلا الدولة التي رأى هيغل أنها هدف التاريخ.

الماركسية أيضاً رغم أنها فلسفة مادية محضة اشتملت على فكرة "نهاية التاريخ"؛ حيث يرى ماركس أن التاريخ يتحرك نحو إقامة المجتمع الشيوعى؛ حيث "من كل حسب طاقته، ولكل حسب حاجته"؛ حيث تتلاشى تماماً الفوارق الطبقة والملكية الخاصة، بعد أن تتحد طبقة العمال معاً؛ لتستولي على السلطة من أيدي "البورجوازية" في المرحلة الرأسمالية الأخيرة؛ لتقيم المجتمع الشيوعي، وبذلك ينتهي التاريخ كما بدأ؛ إذ إن المجتمع الإنساني كان شيوعياً في بدايته، وفقاً لماركس، وتكاد تتطابق هذه الفكرة مع الفكرة الدينية من حيث خلق الإنسان في الجنة وعودته إليها في النهاية، على الرغم من أن ماركس نفى أنه يؤمن بنهاية التاريخ بشكل قدري، ورأى أن التغيير لا بد أن يكون على أيدينا، إلا أن مراحل التطور التاريخي تتحرك وفقاً لقوانين اقتصادية بما يشي بالحتمية التاريخية.

جدير بالذكر بأن العلم الطبيعي النيوتوني الذي كان يفترض تحرك الطبيعة وفقاً لقوانين ثابتة كان في أقصى مراحل نجاحة وأزهى عصور تأثيره الفلسفي إبان القرن التاسع عشر، ورافق ذلك ظهور "نظرية الانتخاب الطبيعي"، وهو القرن الذي وضع فيه ماركس نظريته.

لدى سقوط الاتحاد السوفيتي كتب فرانسيس فوكاياما، الفيلسوف الأميركي من أصل ياباني، مقالاً تطور لاحقاً إلى كتاب سماه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، زعم فيه الانتصار النهائي للأيديولوجيا الليبرالية بشقيها السياسي المتمثل في الديمقراطية، والاقتصادي المتمثل في الرأسمالية. وأضاف فوكاياما "تقدم العلم الطبيعي" إلى "النضال للحصول على الاعتراف" عند هيغل بحيث يصبح الاثنان المحركين للتاريخ.

على الرغم من علمانية الأطروحات الثلاث السابقة فإن "مبدأ التقدم" الذي يعني تحرك التاريخ وفقاً لغاية قصوى هو بمثابة "عقيدة" لا تستند إلى دليل إلا ذاتها. فهي بمثابة "حضور" كلي ميتافيزيقي لا يمكن تبريره عقلياً على الرغم من الزعم المبكر بإمكان ذلك.

لست بصدد نقد الفكرة في حد ذاتها، ولكن لتوضيح أنها فكرة غيبية/ ميتافيزيقية وجدت طريقها من الأديان إلى صلب الفكر الحديث الذي كان يلح على استبعاد نوع كهذا من الأفكار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.