المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد رضا Headshot

الحرب في سوريا والتغير المناخي

تم النشر: تم التحديث:

في كتابة "مدار الفوضى: تغير المناخ والجغرافيا الجديدة للعنف" الذي ترجمه الدكتور سعد الدين خرفان والصادر ضمن سلسلة عالم المعرفة: العدد 411.. إبريل 2014, يطرح المؤلف كريستيان بارتني فرضية مفادها أن التغير المناخي يُعد عاملاً أساسياً في تأجج الصراعات السياسية والاجتماعية والحروب الأهلية التي ضربت مجموعة من الدول في العقود الماضية.

ويربط المؤلف خلال الكتاب ربطاً سلساً بين مجموعة من حالات الصراع والظواهر الناتجة عن التغير المناخي مثل موجات الجفاف التي ضربت الشرق الأفريقي ووسط آسيا ومثل الفيضانات مثل ذلك الذي ضرب باكستان في عام 2008.

يظهر لنا كيف أن تاريخ الجفاف في الصومال وأفغانستان مرتبط وتاريخ انهيار البلدين وتحولهما الى حالات صراع مستعصية على الحل.

لا يمكن طبعاً تجاهل العوامل السياسية والاجتماعية والأيديولوجية المختلفة في حدوث الصراعات في الامثلة التي عرض لها الكتاب، ولكن يبدو لنا جلياً الدور الذي يلعبه التغير المناخي كلاعب خفي يشعل الحرائق أينما حل ويوجه الأحداث من وراء ستار.

(1)

يسهم التغير المناخي في حدوث أزمات بيئية أبرزها الجفاف والتصحر والفيضانات ما يتسبب في تدمير الاقتصادات الريفية وشح الموارد مما يؤدى الى تفاقم البطالة في المناطق الريفية، وهو ما يؤدي الى تزايد الهجرة الى المدن وزيادة العشوائيات على أطرافها والضغط على بنيتها التحتية،
كما تؤدي البطالة الى سهولة نشأة العصابات، ويتسبب شح الموارد في غلاء الأقوات والسماح للنخب الانتهازية باستغلال الوضع والصراع حول هذه الموارد، ما يتسبب في انهيار الأوضاع مع مرور الوقت.

يمكن للدول الكبرى التعامل مع المشكلات الناتجة عن التغير المناخي، بينما يكون تكيف الدول الضعيفة في شكل توترات عرقية وقبائلية وطائفية ما يدفع نحو الانفجار.

(2)

قررت اختبار الفرضية في الحالة السورية وتتبع التاريخ البيئي للأزمة السورية، وهل حقاً حدثت أزمات بيئية في السنوات السابقة في سوريا، فوجدت الفرضية سبق طرحها من منظمات وباحثين كثُر خلال الأعوام الماضية.. معظمها غربي وبعضها عربي.

وسوف أشير إلى جميع المصادر في النهاية.

شهدت سوريا في العقد الاول من القرن الحالي وقبل الثورة موجات جفاف ربما هي الأسوأ في تاريخها منذ نشأة الهلال الخصيب، حيث تناقصت معدلات هطول الأمطار وازداد هبوب الرياح المحملة بالرمال واستمرت موجة واحدة من عام 2006 حتى عام 2011 وكانت ذروتها في شتاء عام 2007.

وفي تصريح لوزير الزراعة السوري في عام 2008 أقر علانية بأن موجة الجفاف تفوق قدرة سوريا في التعامل معها.

وتشير إحدى وثائق ويكيليكس الى قسوة تلك الموجة، حيث أشارت الى أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية طلب مساعدة عاجلة من الولايات المتحدة قدرها 20 مليون دولار للمساعدة في حل الازمة.

تأثر بالجفاف حوالي 1.3 مليون نسمة وتشير تقارير الأمم المتحدة الى ارتفاع هذا الرقم لحوالي 3 ملايين نسمة بحلول عام 2011.

ونزح حوالي مليون ونصف الى المدن أطراف المدن الكبرى دمشق وحلب وحمص وحماة ودرعا،
ومازالت الأزمة قاسية حتى الآن طبقاً للوزير بسام حنا الذى أشار إلى أن "الأزمة مازالت قاسية".
29/6/2014، وساهم في تفاقمها ظروف الحرب الأهلية الدائرة رحاها الآن في سوريا.

تجدر الإشارة إلى أن سوريا كانت تفخر بتأمينها لاحتياجات شعبها من الغذاء وتوفير الأمن الغذائي لهم لمدة تزيد على 20 سنة ولكن الحال تغير الآن.

(3)

ساهمت الإدارة الزراعية التي تم اتباعها في سوريا في العقود السابقة في تفاقم المشكلة، حيث دأبت الدولة على تقديم الدعم المالي والوقود للمزارعين في زراعة محاصيل شرهة للمياه، وحيث تعتمد سوريا على المياه الجوفية في نصف موارد الري أدى ذلك الى الاستخدام الجائر للمياه الجوفية التي تناقصت مع الوقت، خاصة أن 83% من الزراعة في سوريا تروى بالغمر.

(4)

أصبح واضحاً كيف لعبت العوامل البيئية دوراً مهماً في حدوث الأزمة السورية وتفاقمها..
ويعد ذلك جرس إنذار في حالة أي دولة قد تعاني مستقبلاً من التغييرات المناخية أو شح في الموارد الطبيعية، وحيث إن مصر مقبلة على تحدٍّ تاريخي فيما يتعلق بمواردها من المياه جراء إنشاء سد النهضة الاثيوبي، بالإضافة الى الارتفاع الكبير في عدد سكانها الذي يتوقع أن يبلغ 100 مليون نسمة بحلول عام 2025 فلابد من اتخاذ الإجراءات الكفيلة للحيلولة دون تردي الأوضاع وتفاقمها لا قدر الله.

(5)

تعتبر ظاهرة الاحتباس الحراري وازدياد نسبة ثاني أوكسيد الكربون في الهواء المسؤول الأول عن ظاهرة التغير المناخي، وتعتبر الدول الصناعية الكبرى مسؤولة عن زيادة الظاهرة، ولابد لهذه الدول أن تتحمل مسؤوليتها، فكوكب الأرض ونظامه الطبيعي الذي أسهم في ازدهار الحياة على مدى ملايين السنين معرض للتدمير بشكل غير مسبوق في تاريخ الحضارة الإنسانية بالإضافة الى أنه غير قابل للإصلاح والجبر.. حتى أن كثيراً من العلماء يعتبرون أن الإنسانية قد بلغت نقطة اللاعودة في ما يتعلق بالتغير المناخى وأن الأرض ستشهد تبدلات ستغير حتماً الحياة المعاصرة على الأرض.

وتثبت أزمة اللاجئين أو المهاجرين غير الشرعيين كيف أن الحدود والأسوار لن تحمي هذه الدول من تبعات التغير المناخي.

المصادر:

1- كتاب "مدار الفوضى: تغير المناخ والجغرافيا الجديدة للعنف، كريستيان كارنتي ترجمة الدكتور سعد الدين خرفان.. عالم المعرفة (411) إبريل 2011
2- شرر الجفاف وشح المياه أوقد نار الحرب في سوريا، علا غزاوي
http://goo.gl/yhqsW6
3- ويكيليكس الجفاف وسوريا - توماس فريدمان "نيويورك تايمز" مترجمة على موقع جريدة الشرق الأوسط
http://goo.gl/pr8yQ6
4- الجفاف في سوريا لم يحصل بهذا المستوى منذ عقود
http://goo.gl/UwdQ2X
5- ما الذي زاد من حساسية سورية أمام موجة الجفاف الأخيرة؟ الباحثون السوريون Syrian researchers
http://goo.gl/j0Phaq

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.