المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد رجائي الجبالي Headshot

الشهادة: الصدق والكذب في طلبها

تم النشر: تم التحديث:

كلنا نحن المسلمين -أو أكثرنا- نرجو أن نلقى الله شهداء، كلنا يرجو ذلك. لكن الشهادة ليست بالتمني، فليس كل من يرجوها ينالها.

وراغبو الشهادة أنواع:

- منهم من يرجوها وهو في دنياه لاهٍ عابث.
- ومنهم من يرجوها ولم يأخذ نفسه بأسبابها تهذيباً وتربية وتزكية.
- ومنهم من يرجو أن ينالها وهو في فراشه مُنَعَّماً.
- ومنهم -وقليل ما هم- من يرجوها وقد امتلأ قلبه شوقاً إليها، ورَبَّى نفسه لها، وهَيَّأَها للشهادة وأعَدَّها وأعَدَّ لها.

إن الشهادة منزلة سامية سامِقة لا ينالها كل مَن يرجوها، ولا كل مَن يطلبها ويسعى إليها ينالها. إنما ينالها ويفوز بها مَن يراه اللهُ جديراً بها فيصطفيه من الناس اصطفاء.

اسمع لقول الله عز وجل: "إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ".

وتأملوا معي قول الله عز وجل: "وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاء". هنا اختبار، هو امتحان، ثم اصطفاء.

الاختبار والامتحان في: "وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا"، ثم الاصطفاء لمن يتجاوز الامتحان في: "وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاء". فإننا لا نختار الشهادة؛ بل هي التي تصطفي وتختار. فإن الله يصطفي الصادقين الخالصين له، يصطفيهم بها من دون طالبيها.

وأكثر طالبي الشهادة يزعمون الصدق في طلبها، وإن شئتَ أن تقف على صدق نيتك وعزمك، فانظر أين أنت في هذه المواطن تعلم إن كنتَ صادقاً حقاً أم كاذباً واهِماً:
- مَن يبخل بقليل ماله نَفَقَةً في وجوه الخير فلن يَجُود بنفسه.
- مَن يقعد عن نُصرة مظلوم فلن يقوم لنصرة أمة ولا لنُصرة دين.
- مَن يتخاذل عن إنكار منكر رآه خوفاً أو طمعاً فلن يَزُود عن حِياض الإسلام والمسلمين.
- مَن تغلبه شهوات نفسه فسوف يشق عليه أن يسوقها إلى ساح الوَغَى.
- مَن يركن إلى الدِّعَة والراحة والتنعم حتى سكنت إلى ذلك نفسه فلن يُغَبِّر بالتراب وجهه.

تأمل حالك في المواطن السابقة تعلم أين أنت مِن الشهادة، صادق في طلبها أم زاعم واهِم كاذب تخدع نفسك، ولن تخدع ربك.

والمؤمن الصادق النية والعزم في طلب الشهادة يُؤْتيه الله أجر الشهيد، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن طلب الشهادة صادقاً أعطيها ولو لم تُصِبه"، وقال صلى الله عليه وسلم: "مَن سأل الله الشهادة بصدق بَلَّغَهُ الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه".

ومَن صَدَقَ الله النية والعزم وحَبَسَه العذر، فإن الله يؤتيه الأجر تاماً، قال -صلى الله عليه وسلَّم- وهو في طريق العودة مِن غزوة تبوك: "إن في المدينة أقواماً ما سِرتم مَسِيراً، ولا أنفقتم نَفَقَة، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم فيه"، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال صلى الله عليه وسلَّم: "وهم بالمدينة حَبَسَهم العذر".

والشهادة تتفاضل:

فالشهيد المجاهد في الميدان ليس كغيره من الشهداء؛ فقد ثبت في الحديث أن المَبطون، والمَطعون، والغريق، وصاحب الهدم، ومَن قُتِل دون ماله، ثبت أنهم شهداء، فهل يستوون وشهيد المعركة؟

قال العلماء إنهم لا يستوون، إنما يستوون في أصل الأجر، أما في نوعه ومتعلقاته فلا يستوون؛ فخصال الشهيد الواردة في الحديث تدل دلالة واضحة على أنها خاصة بشهيد المعركة:

قال صلى الله عليه وسلم: "لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ:
يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ،
وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ،
وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ،
وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ،
وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا،
وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ،
وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ".

فإن ألفاظ الحديث واضحة الدلالة "يُغفر له مع أول دفعة"؛ أي من دمه، إنه شهيد ميدان الوغى، ميدان الجهاد بالسنان.

اللهم ارزقنا الصدق والإخلاص قولاً وعملاً، واجعلنا اللهم ممن يُصَدِّق عملُهم قولَهم،
وارزقنا اللهم شهادةً في سبيلك صادقةً خالصةً لوجهك الكريم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.