المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد رجائي الجبالي Headshot

"فَفِرُّوا إلى الله".. مِمَّ الفِرار؟ وإلى أين الفِرار؟ وكيف يكون الفِرار؟

تم النشر: تم التحديث:

إننا نحن المسلمين مُكَلَّفون مأمورون بالفِرار، فقد أمرنا الله تعالى بذلك، قال عز وجل: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}، فلماذا الفِرار؟! ومِمَّ نفر؟! وإلى أين نَفِرُّ؟! وكيف الفِرار؟!

إن الفِرار يعني الهروب، ولا يكون الفِرار إلا من شيء مُخِيف مُرْعِب يَفِرُّ منه الْفَارُّ إلى مكان أَمْنٍ وسلام يَسْتَجِير به.

وكما قال القشيري في تفسيره: إن "الإنسان بين إحدى حالتين؛ إمّا حالة رَغْبَةٍ في شيء، أو حالة رَهْبَةٍ من شيء، أو حال رَجَاء، أو حال خَوْف، أو حال جَلْبِ نفع، أو دفع ضُرّ"، فالإنسان عادة ما يكون بين أحد حالين مما ذكر القشيري، وعليه أن يميز ويختار واحدة منهما، والعاقل سيكون فِراره إلى ما يكون فيه نجاته.

والأمر بالفعل {ففروا} يستوجب الإسراع في الهروب، فالفعل يدل على أن الخطر شديد، وهو كائن قريب حاصل، بل إن هذا الخطر يطلبنا ويلاحقنا، فلا مجال لِتَبَاطؤ وإلا كان الهلاك، والعطف بالفاء زاد في بيان شدة الخطر، مما يستدعي السرعة في الهروب، قال الرازي رحمه الله: إن الفعل {فروا}: "يُنبئ عن سرعة الإهلاك، أي أن الإهلاك والعذاب أسرع وأقرب، من أن يحتمل الحال الإبطاء في الرجوع".

وفي الآية: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} صورة حية نابضة، فكأن الخطر ماثل أمامنا، فتغرس الصورة في قلب السامع الخوف والحذر، وتدفعه إلى الفزع والهروب، قال ابن عاشور رحمه الله: إن في الآية: "اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ حَالِ تَوَرُّطِهِمْ فِي الضَّلَالَةِ بِحَالِ مَنْ هُوَ فِي مَكَانٍ مَخُوفٍ يَدْعُو حَالُهُ أَنْ يَفِرَّ مِنْهُ إِلَى مَنْ يُجِيرُهُ".

إن الأمر جَلَلٌ، والحال خَطَرٌ، ومَنْ تَبَاطَأ هَلَكَ وخَسِرَ، فلا بد مِن الفِرار، وعلى عَجَل.

فلماذا الفِرار؟
لأن الفرار في الآية يعني النجاة، وأن عدم الفرار يعني الهلاك، فكان لا بد من الفرار وإلا كان الضياع والخسران المبين.

فَمِمَّ الفِرار؟
إنْ شِئْتُم أنْ تعلموا مما يكون الفِرار فاسمعوا لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ".

إذن الفِرار مِن سَخَطِ الله وغَضَبِه، ومِنْ عقاب الله وعذابه، إنه الفِرار من الله، فإن كان الفرار من الله فإلى أين الفرار؟ وإلى مَن؟

إنَّ الفِرار إنما يكون كما أمرنا الله تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}، فإنه عز وجل الْمَخُوفُ الْمَرْهُوبُ، وهو عز وجل الْمَعُوذ، فإنْ استعذتَ فَمَنْ يُعِيذُك؟

إنه هو الله، فلا عَائِذَ لنا سِواه، فقد استعاذ النبي -صلى الله عليه وسلم- من الله عز وجل، واستعاذ به، قال صلى الله عليه وسلم: "وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ".

فلا نَجَاةَ لنا إلا به، ولا مَنْجَى لنا إلا إليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ، وَلاَ مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ".

ونقل الشوكاني والقرطبي عن الحسين بن الفضل أنه قال: "احْتَرِزُوا مِنْ كُل شَيْءٍ غير اللَّه، فَمَنْ فَرَّ إِلى غيره لَمْ يَمْتَنِع مِنْه"، وإنْ كُنَّا عَلِمْنا إلى أين يكون الفرار، ولِمَنْ يكون الْمَلْجَأ والْفِرار، فَكَيْفَ إذن يكون الفرار إلى الله؟

كيف الفرار إلى الله؟

إنَّ الفِرار إنْ كان مِنَ الله، ثم هو إلى الله، فإنَّ الفِرار يكون مِنْ سَخَطِ الله إلى رِضَاه، ومِنْ عَذَابِ الله إلى عَفْوِ الله ورحمته.

والفِرار مِنْ سَخَطِ الله ومِنْ عَذاب الله لا يكون إلا بِتَرك الْمَعاصي، ومُخَالَفَة هَوَى النفس، ومُحَارَبَة الشيطان.

والفِرار إلى رضا الله وعفو الله ورحمته لا يكون إلا بطاعة الله وطاعة رسول الله.

وذكر السعدي -رحمه الله- في تفسيره أن الفرار يكون: "مِمَّا يكرهه الله ظاهراً وباطناً، إلى ما يحبه الله ظاهراً وباطناً، فِرار من الجهل إلى العلم، ومِن الكفر إلى الإيمان، ومِن الْمَعصية إلى الطاعة، ومِن الغفلة إلى ذكر الله، فَمَنْ استكمل هذه الأمور، فقد استكمل الدين كله، وقد زال عنه الْمَرْهُوب، وحَصَلَ له نهاية المراد والمطلوب.

ولابن عطية -رحمه الله- تأويل بديع للفرار قال: " (فَفِرُّوا) أمر بالدخول في الإيمان وطاعة الله، وجعل الأمر بذلك بلفظ الفرار لِيُنَبِّهَ على أنَّ وراء الناس عقاباً وعذاباً وأمراً حَقُّهُ أنْ يُفَرَّ منه، فجمعت لفظة (فرّوا) بين التحذير والاستدعاء".

ونقل إلينا القرطبي -رحمه الله- بعض أقوال العلماء والعباد منها:
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: فِرُّوا مِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَةِ الرَّحْمَنِ.
وَقَالَ الْجُنَيْدُ: الشَّيْطَانُ دَاعٍ إِلَى الْبَاطِلِ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ يَمْنَعُكُمْ مِنْهُ.
وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: فَفِرُّوا مِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ، وَمِنَ الْكُفْرِ إِلَى الشُّكْرِ.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: فِرُّوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ.
وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فِرُّوا مِمَّا سِوَى اللَّهِ إِلَى اللَّهِ.

وخُلاصَةُ جواب أسئلة: مِمَّ الفِرار؟ وإلى أين الفِرار؟ وكيف يكون الفِرار؟
فإنكم تجدونها في قول الله -تعالى- حكايةً عن الثلاثة الذين خُلِّفُوا عن غزوة تبوك: {وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.

وتجدونها في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ".

وتجدونها في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}..والله أعلم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.