المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد رجائي الجبالي Headshot

كان الرجل مؤمناً فكفر.. لماذا؟

تم النشر: تم التحديث:

مررتُ اليوم بقصة صاحب الجنتين في سورة الكهف، ووجدتُه يقول: {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرَاً مِنْهَا مُنْقَلَبَاً} فقلتُ لنفسي: إن الرجل كان مؤمناً، يعلم أنَّ له رَبَّا ثم كفر به، يؤكد ذلك قولُ صاحبه المؤمن له: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلَاً} الرجل كان مؤمناً ثم كفر، فلماذا كفر؟

لقد ابتلاه الله بالنِّعم العظيمة فاغترَّ بها {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً} ، ونسي أن تلك النعم إنما هي بعض نعم الله عليه، فجحد فضلَ الله عليه، وكفرَ بنعمه، فكانت النعمة سبباً في الكفر.

وتذكرتُ قارونَ، لقد كان هو الآخر مؤمناً ثم كفر، قال الله عز وجل: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى} أي أنه كان مؤمناً، لكنه تكبَّر وتجبَّر وبغى عليهم، فلماذا؟

السبب ذَكَرَه الله تعالى: {آتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ}، إن السبب هو النعم والكنوز العظيمة التي ابتلاه الله بها، فكانت هذه النعم وتلك الكنوز سبباً في جحوده وكفره، قال الله عز وجل على لسان قارون: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}.

لقد كانت النعمةُ بلاءً عظيماً على صاحب الجنتين، وعلى قارون، فقد دفعتهما للكفر بالله الذي رزقهما تلك النعمَ فجحدوا بها، واغترُّوا بما في أيديهم، فظنوا أنهم استغنوا، فكفروا بربهم.

إن الله يبتلي عباده بالشر، ويبتليهم بالخير قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}. وقال العلماء: إن الابتلاء بالنعم أشد على الإنسان من الابتلاء بالنِّقَم والشدائد، ذلك لأن الابتلاء بالشدائد معلوم للمؤمن شَرُّه إذا هو جزع، ويعلم عاقبته إذا هو قَنَطَ، فهو يُجاهد نفسه ويصبر على ما يصاب به من مصائب.

إن المؤمن يمرض فيحمد الله ويصبر، ويخسر ماله فيحمد الله ويصبر، ويموت ولده فيسترجع ويصبر، ويصاب في نفسه وبدنه وأهله فيحمد الله ويصبر.

أما الابتلاء بالنعم فإنما هو استدراج خفي، يسقط فيه العبد رويداً رويداً، يستدرجه الشيطان، وتستهويه نفسه، حتى يتخلَّى العبدُ شيئاً فشيئاً عن قِيَمِه ومبادئه، بل ودينه، في غمرة اغتراره بما امتلأ به جوفه من كنوز.

وقد ذكر لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قصة (الأبرص والأقرع والأعمى)، التي وردت في البخاري ومسلم- مثالاً للجحود لفضل الله، والاغترار بمتاع الدنيا الزائل، والقصة لثلاثة نفر ابتلاهم الله بالشفاء من أمراض لا دواء لها، وآتاهم وِدْيَاناً من النعم، فاغتر اثنان وجحدا (الأبرص والقرع) فهلكا، وأَقَرَّ أحدُهم بفضل الله ونعمه فَنَجَا وفاز.

ولعل هذه القصة تُخبرنا أنَّ الذين يهلكون في الابتلاء بالنعم أضعاف الذين ينجون منها، ولعل هؤلاء الثلاثة يصدق فيهم قول الله عز وجل: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّه لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}.

إنها عاقبة جحود نِعم الله على العبد؛ حيث يصاب القلب بداء لا دواء منه حتى يلقى الله غاضباً عليه، اسمع لقوله عز وجل: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ}.

إن العبد إذا اغترَّ بنعمة الله عليه، ينصرف قلبه عن الله، وينشغل بمتاع الدنيا الحقير، فَيَنْكَبُّ على الدنيا فتأخذه أخذاً، فتطرد الإيمان من قلبه، وتَحُلُّ الدنيا في قلبه حَلّاً، فتقيم فيه، وتسكن حتى تملأ أركانه، فلا تَدَعُ مكاناً فيه لله.

اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، نعوذ بك من فتنة تغشى القلبَ فتشغله عنك، واعصم اللهم قلوبنا ونفوسنا من الزلل، وهذِّب اللهم نفوسنا وأخلاقنا وقلوبنا بما يرضيك عنا ربنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.