المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد رجائي الجبالي Headshot

رابعة.. دماء ساخنة لن تبرد

تم النشر: تم التحديث:

مرت ذكرى مذبحة رابعة العدوية، فلما تحسست قلبي خرجت يداي مغمورتين بدم ساخن.
مضت سنة ولم تبرد دماء رابعة بعد، وما أظنها ستبرد حتى يُقتَص لها.

راجعت شريط المذبحة، ومرت مشاهدها على ناظري كأنها اليوم، فكأنها لم يمضِ عليها ساعة، فكأنها لم تمضِ بعد، كأنها ما زالت حية نابضة تتدفق أنهار دمائها وتهدر هدراً يصم الآذان، ويشق القلوب.

ولا حاجة لأن نعيد الحديث عن المشاهد والصور، فمن شاء فليذهب إلى سجل الإنترنت فسيرى ما تشيب له الولدان.

وقد كان هناك ما هو أشد على القلب من تلك المذبحة، لقد كان رد فعل الشعب المصري على هذه المذبحة عجيباً غريباً.

فقد وجدت كثيراً منا نحن المصريين مبتهجين بما يحدث، ولم تطرف لهم عين للدماء التي سفحت.
ورأيت بعضهم يوزع الحلوى والشربات احتفالاً بالنصر.

وجدت كثيراً منهم لا يبالي ولا يتحرك له ساكن بما يسمع ويرى.

مرت المذبحة على المصريين ولم يكد يتألم لها إلا مَن طالتهم الجراح والدماء.

ورأيت كثيراً الشماتة المقرونة بالسفاهة والبلاهة والجهل والعمى.

رأيت الكثير من المصريين، ما بين مبتهج سعيد راض، وما بين ساكن ميت لا يبالي ما يرى ويسمع.

ماذا حدث لنا نحن المصريين؟!
لقد اشتهر عنا أننا شعب رحمة وألفة وتواصل ونجدة، فماذا حدث لنا؟!

فلو أن هذه المذبحة، وهذا التقتيل البشع، وإشعال النار في الجرحى وتلك المشاهد والصور الشنيعة وقعت في قطيع من الكلاب لتألمت لها القلوب، ولجزعت منها النفوس.

فماذا حدث لنا نحن المصريين؟!
هل فسدت فينا الفطرة؟!
هل نزعت من نفوسنا وقلوبنا كل معاني الإنسانية؟!

ثم مرت الأيام والسنون عجافاً على المصريين، يذوقون من حنظل ما غرسوا، ويتجرعون كؤوس الذل والهوان.

هانت مصر وذلت، واستذل الناس واستعبدوا، وأكل البغي والظلم والفقر أكباد الناس.

وأفاق الناس على خراب وفقر قد عَمَّ، وبغي وظلم قد طَمَّ، ولا مخرج لهم ولا نجاة، فإما الرضا بالفقر والجوع والذل والاستعباد، وإما السجن والعذاب والموت.

منذ أيام كنتُ في حوار مع بعض الأخوات اللاتي تَجَرَّعنَ آلام وجراح رابعة ووجَدَتني مشفقاً على الناس في مصر من الغلاء وضيق العيش.

فقالت غاضبة وعيناها تسحّان الدموع:
تشفق على هؤلاء؟!
والله وإن ذبحهم الجوع ذبحاً وذبحني معهم فلن أشفق عليهم.
فقد فرحوا بمصابي وابتهجوا بذبح فلذة كبدي، أشفق عليهم اليوم، لا، لن أشفق عليهم، وإني أنتظر أن يشتد بهم الحال أكثر وأكثر، فما كان الله ليضيع حق هذه الدماء الطاهرة التي سُفِحَت وشمتوا فيها أو سكتوا عنها.

ثم غلبها الألم، وغلبتها الدموع، فأشفقت عليها إشفاقاً، والتمست لها أعذاراً.

إن حال مصر والمصريين من سيئ إلى أسوأ، إلى أشد السوء، ومن حاجة وفقر، إلى جوع وخراب، مع قهر وذل ومهانة واستعباد ولا منفذ، ولا مخرج.

فأين السبيل إلى الخلاص، والناس ساكنون خاضعون لهذا القهر وهذا الذل؟!

إني أعلم أنها ليس لها من دون الله كاشفة، لكن هذا لا يعني الاستسلام للذل، والقعود للقهر، والخنوع للاستعباد والمهانة، فليس أقل من أن يأبى المصري - رجلاً كان أو امرأة - القهر، ويرفض الظلم، ويصدع بإنكار المناكير التي تفقأ العيون، ليس أقل من ذلك، فإن نحن فعلنا، فإن الفتح قريب، والخروج من هذا القهر وشيك.

فإن لم تفعلوا فلا تسأموا استطالة الذل والقهر، ولا يلومنّ القاعد الساكن إلا نفسه، ولا يشكون إلا جُبنه وخَوَرَه وهَوانه.

فالحق ما قال الحق: "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.