المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عويس سيد Headshot

بارزاني.. أُكِلت يوم أُكِل الثور الأبيض

تم النشر: تم التحديث:

* نبذة تاريخية:

شعب الكرد بلغتهم وثقافتهم من أقدم شعوب المنطقة حضارة وثقافة، ولقد لاقوا الكثير من المتاعب في سبيل ذلك.

منّ الله على أكثرهم بالدخول إلى الإسلام فدخلوا فيه طواعية، وسجلت كتب التاريخ أن أول صحابي دخل عمق كردستان هو سيدنا عياض بن غنم القرشي، في عهد عمر بن الخطاب، فكانوا خير جنود للخلافة الإسلامية في شتى عصورها، كان منهم العلماء والقادة، وما سجّله التاريخ لهم من بطولات بصدهم هجمات الصليبيين والباطنيين، بقيادة صلاح الدين الأيوبي، لهو خير دليل على إخلاصهم لدينهم.

تعتنق غالبية الأكراد الدين الإسلامي، وغالبيتهم من أتباع المذهب الشافعي، كما يوجد عدد من العشائر الكردية من أتباع المذهب الشيعي، ومع مرور الزمن دخلت عليهم أفكار شتى، لكن يبقى بينهم أصل وعامل واحد مشترك (عُجَرهم وبُجَرهم) وهي "القوميّة" واتخاذها سبيلاً لإيجاد الدولة الكردية المنشودة.

* محطات في تاريخ الكرد:

إن من أهم وأبرز المحطات في تاريخ الكرد، التي لم تكلل حتى الآن بوجود دولة كردية معترف بها دولياً في المنطقة، بعد مرور كل هذه الزمن، عانى خلالها الشعب الكردي بجميع طوائفه الكثير من الصّعاب، ومن ثم أخمدت كل هذه التحركات الساعية لإيجاد وطن معترف به، هي:
- اتفاقية "سياكس بيكو" التي بموجبها تم تقسيم كردستان بين دول الجوار.

- معاهدة "لوزان" التي لم تذكر اسم "الكرد" واقتصرت على ذكر الحقوق الثقافية والدينية للأقليات.

- ظهور الكثير من الحركات الكردية على فترات متقاربة من الزمن في شتى مناطق كردستان، والتي كانت باستمرار تطالب بالحقوق الكردية، كان من أبرزها على سبيل المثال:

- حركة الشيخ محمود الحفيد سنة 1920 في السليمانية ضد الاحتلال البريطاني.
- حركة الشيخ سعد بيران 1925 - 1931 في تركيا.
- حركة البارزانيين لأحمد ومصطفى بارزاني 1930 - 1975 شمال العراق.
- إعلان جمهورية مهاباد 1946 غربي إيران.
- وأخيراً وليس آخراً، استفتاء سبتمبر/ أيلول 2017 من قِبل مسعود بارزاني، تمهيداً لإعلان انفصال كردستان العراق.

* القوميّة هي المحرك:

وليست "القومية" بعيدة عن الأيديولوجية الفكرية "للكرد"، بل تعتبر هي المحرك الرئيسي والأساسي لجميع الكرد، سواء اليساري منهم أو الاشتراكي أو حتى الإسلامي، وليس ذلك عيباً فحسب، بل العيب جعل تلك "الحميّة" والقوميّة فوق ما سواها من الأمور، ضاربة بكل شيء عرض الحائط ودون النظر لمآلات وعواقب الأمور.

* بارزاني والإملاءات الخاسرة:

أقدم رئيس حكومة إقليم كردستان العراق السيد "مسعود بارزاني"، بعد إملاءات من بعض الدول والتي "من مصلحتها استمرار اشتعال المنطقة"، على الإعلان عن استفتاء في الوقت الحالي، غير ملزم في سبتمبر 2017، للسعي من خلاله إلى انفصال إقليم كردستان العراق، بالرغم من التحديات التي تمر بها المنطقة من خطورة التقسيم والتجزئة والاحتلال، وعلى أثر الإعلان عن هذا الاستفتاء، دخلت القضية الكردية مرة أخرى في أزمة كبيرة، سواء من داخل الإقليم مع المعارضين، أو من خارجه مع دول الجوار.

لقد لعب بارزاني قُبيل الاستفتاء مع جميع الشعب الكردي حتى الإسلاميين منهم، على حبل "القوميّة"؛ كي يتم له مآربه الخاصة، وذلك من خلال الموافقة على تمرير الاستفتاء تحت مظلة (إما مع التصويت لصالح الاستفتاء، وإما غير ذلك فتكون الخيانة).

وقد حاول بهذه الخطوة أن يصنع لنفسه "تمثالاً" لدى شعب الأكراد، وأن يصنع ما لم يصنعه غيره للقضية الكردية، أو من وجهة نظر أخرى يخول له الاستفتاء إن مرت الأمور بسلام، اكتساب تأييد شعبي كردي يؤهله للاستمرار في حكم رئاسة الإقليم.

* ما بعد الاستفتاء.. المكاسب والخسائر:

رغم التحفظات الدولية والإقليمية وخاصة من دول الجوار (العراق وتركيا وإيران)، أصرّ بارزاني على المضي في الاستفتاء والتصويت لصالح انفصال إقليم كردستان العراق، وإقامة الأفراح الغامرة والإعلان عنها، والتي لم يخفِها أحد من الكرد، اللّهم إلا فئة قليلة كانت متحفظة وفقط على توقيت الاستفتاء، وليس على الانفصال، وكانت متخوفة من وضع الإقليم وما سوف تؤول إليه الأمور بعد ذلك.

ولعلّ أكبر الخسائر التي مُني بها بارزاني من وجهة نظري خسارته لـ"تركيا الحليف" هذا ما دعا السيد أردوغان إلى أن يصف ما أقدم عليه بارزاني بأنه بمثابة "خيانة".

ثم جاءت ردود الفعل قوية وفورية من دول الجوار باتخاذ بعض التدابير والإجراءات، لمواجهة هذا التقسيم وفرض بعض العقوبات، من إغلاق للمعابر وتحرّك عسكري من قِبل الحكومة العراقية ومعها ميليشيات الحشد الشعبي المدعوم إيرانياً، بل والسيطرة على مناطق متنازع عليها بالاتفاق مع بعض القوى الكردية الأخرى أنصار طالباني على الدخول إليها دون مواجهات تذكر، وغيرها من المكاسب على الأرض لصالح الحكومة العراقية.

وتوالت الخسائر على الإقليم تلو الأخرى، إلى أن رضخ بارزاني للمطالب، وعرض التفاوض وقبِل بإلغاء نتيجة الاستفتاء، مما وضع الشعب الكردي الذي صوت لصالح الانفصال في حالة "خيبة أمل كبرى"، وتم كسر الحلم المنشود الذي يُراود الأكراد في إقامة دولة كردية مرة أخرى.

أصبح بارزاني وقتها في وضع لا يُحسد عليه أمام شعبه، وأصبح ينتظر مدد وعون الشركاء الذين أملوا عليه ماذا يفعل؟! وكيف يتصرف؟!
لكن لا فائدة، فأصبح حاله حينئذ يقول: (أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض).

* أُكِلت يوم أُكِلَ الثور الأبيض:

الحق يقال إن التعامل مع بارزاني وحزبه كان من أفضل المكونات والقوى الكردية لتركيا الحليف؛ إذ كانت الأخيرة تعتبره "حليفاً استرتيجياً" لمواجهة الحكومة العراقية الطائفية من جهة، وحزب العمال الكردستاني في المنطقة من جهة أخرى، لكن ما صنعه بارزاني لإرضاء غروره، مسح تاريخه بجرة قلم حتى بين الشعب الكردي نفسه، وأجبر تركيا على أن تتخلى عنه، وتبحث عن غيره بديلاً له.

ومن جانبها دعت بعض القوى الكردية المعارضة لإقالة بارزاني من منصبه كرئيس للإقليم، وحمّلته كل ما آلت إليه الأمور في الإقليم جراء هذا الاستفتاء.

وفي هذا الصدد نقلت مجلة نيوزويك الأميركية "أن توتر العلاقات بين بغداد وأربيل قد يؤدي إلى تنحية بارزاني من منصب رئيس الإقليم".

وعلى مدار الساعة من المداولات التي عُقدت داخل أروقة الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم لم يمضِ الكثير من الوقت حتى بعث بارزاني برسالة إلى البرلمان قال فيها: "أرفض الاستمرار في المنصب بعد 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وطالب بأن يعقد البرلمان جلساته واجتماعاته في أقرب وقت، لملء الفراغ القانوني الذي قد يحدث في واجبات وسلطات رئيس الإقليم، وكذلك لحل هذا الموضوع بشكل كامل".

على أثره وافق برلمان الإقليم على قرار نقل وتوزيع صلاحيات بارزاني إلى الحكومة والبرلمان والسلطة القضائية.

ويبقى القول بأن الإقبال على مثل هذه الخطوة غير المدروسة حطّم معها آمال وطموحات الشعب الكردي، وتراجع معها مؤشر المطالبة بحقوق الأكراد في الإقليم إلى عهود مضت.

ولعل أبرز الأسئلة التي سوف تجيب عنها الأيام القادمة هي: مَن سيخلف بارزاني لرئاسة إقليم كردستان العراق خلال المرحلة القادمة؟

وأخيراً: لقد مرت القضية الكردية بمنعطفات تاريخية أصابها ما أصابها من إخفاقات، ومرت بسنوات طوال من الصراعات، وأنتجت خلالها محاولات مضنية لإقرار الوجود وحق المصير الكردي، وتحالفات مع هذا وذاك، وأيديولوجيات وأفكار شتى داخل البيت الواحد، وشعارات ونعرات قومية، وتجاذبات سياسية، وزيارات مكوكية دبلوماسية، سواء كانت معلنة أو مخفية، ووعود وإغراءات بالمكاسب الرمادية، لكن لا تزال القضية الكردية تحتاج إلى أُناس أكثر عقلانية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.