المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عويس سيد Headshot

محطات الوجود الروسي تُعزز الوجود الغربي

تم النشر: تم التحديث:

أقدمت روسيا في الآونة الأخيرة على خطوات هامة، في صراعها مع القوى الأخرى، وحوَّلت بوصلتها إلى التفكير في بسط نفوذها خارج حدودها الجغرافية، فاتجهت مطامعها، في بادئ الأمر، إلى أوكرانيا ثم إلى سوريا ثم إلى ليبيا، فمصر.. إلخ.

تعتبر الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا أن منطقة الشرق الأوسط منطقة نفوذ "خاصة" بهما، وعندما نشبت التوترات في المنطقة، عمدت روسيا إلى استثمار الحدث، بإلقاء نفسها داخل هذا الصراع الدائر، أملاً في تحقيق حلم الدولة السوفييتية القديمة، بالتفرد والسيطرة على المنطقة، هذه هي علاقات الصراع.

وللحديث عن كيفية تعاطيها مع طبيعة الصراع بين القوى الحالية وتحركاتها، فكان لا بد من معرفة مكاسبها التي تأمل في جنيها من خلال هذه التحركات في المنطقة.

* مكاسبها في المستنقع السوري
تسعى روسيا الآن إلى المُضي قُدماً بتسريع الخُطى نحو تسوية الأزمة السورية، بإشراك الجانب التركي وإجبار الجميع، وعلى رأسهم إيران، وميليشياتها الطائفية، والنظام، والفصائل المعارضة بالجلوس للتفاوض لخلق مسار جديد، أملاً منها في إنهاء الحرب الدائرة هناك، وذلك للحيلولة بوضع اللبنة الأولى، لتحديد خريطة سوريا المستقبل، حسب مصالحها هي فقط في المنطقة، ولعل السبب في هذه المسارعة راجع إلى رغبتها الشديدة في ضمان الخروج من هذا المستنقع السوري بمكاسب "سياسية وعسكرية" بأقل تكلفة في الأرواح والمعدات، وأيضاً وحتى لا تكرر "أفغانستان" أخرى.

أولاً: المكاسب السياسية
ومن المعلوم أن روسيا بسطت سياستها وسيادتها في سوريا على المجتمع الدولي باستعمال حق "الفيتو" من ناحية، وعلى جميع الأطراف المتنازعة بحكم وجودها كأمر واقع جغرافياً وسياسياً في اللعبة من ناحية أخرى.

وإذا نظرنا إلى الأمر الآن نجد أن روسيا تعتبر المالك الوحيد لزمام المبادرة مع جميع أطراف النزاع في سوريا لإنهاء الصراع دون غيرها، وهي من قررت وقف إطلاق النار، حتى ولو لم يوقف، وهي من قررت المكان والزمان للجلوس على طاولة المفاوضات بدءاً من "أستانا" ثم "جنيف 5".

ثانياً: المكاسب العسكرية
أما من حيث مكاسبها في الجانب العسكري، فإن غباء النظام السوري وحليفته إيران، في العمل منذ البداية على استدعائها، لدخول الأراضي السورية لمساندة النظام القمعي، دون أدنى مسؤولية، أعطاها ذلك الحق في أن تفرض نفسها على اللعبة سياسياً كما ذكرنا، وعسكرياً من خلال إنشاء قواعدها العسكرية على الأراضي السورية والسيطرة على سواحلها، الأمر الذي خوَّلها ضمان الاستمرارية وقطع الطريق على الولايات المتحدة والغرب في هذه المنطقة.

* الجولة في سوريا كانت لصالح روسيا بلا شك
تدخل الجميع، وعلى رأسهم "روسيا، وأوروبا، وأميركا، وحتى إيران وميليشياتها"، كحلفاء لأطراف النزاع السوري، كل حسب مصالحه الخاصة في المنطقة، والطمع في السيطرة، ولكن حالف الحظ هذه المرة "روسيا"، فكانت الغلبة من نصيبها، سياسياً وعسكرياً وحتى دبلوماسياً.

ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فالولايات المتحدة لن ترضى بهذا الوضع فعمدت إلى تكثيف وجودها داخل المستنقع السوري تحت محاربة "داعش" في الرقة ومحاولة مراوغة تركيا"، بدعمها التنظيمات المناهضة لتركيا "قوات حماية الشعب السوري" الذي يسيطر عليه تنظيم "PKK".

وكذلك "موسكو" تريد كسب صف هذه التنظيمات لصالحها كي تقطع الطريق على "واشنطن" وتتخذها كورقة ضغط لتراوغ بها تركيا بنفس الطريقة.

وللوقوف على الأسباب الجوهرية لذلك الانتصار نجد أن له دلالات سأذكر منها الآتي:

- التراجع الملحوظ من الجانب الغربي والأميركي، بسبب التخبطات في السياسات الخارجية، في عهد إدارة الرئيس "أوباما".

- الازدواجية في التعامل مع الحلفاء، وخسارة أميركا حليفاً استراتيجياً مهماً في المنطقة كـ"تركيا"، بتحريك ودعم المنظمات التي تعدها الأخيرة كمنظمات إرهابية تهدد أمن واستقرار بلدها، على سبيل المثال منظمات "التنظيم الموازي FATU فتح الله غولن، ومنظمة PKK " في تركيا، وذراعها "YPG" في سوريا وغيرها من المنظمات الإرهابية.. إلخ.

كانت لهذه العوامل وغيرها سبب في بزوغ نجم "روسيا" في سوريا، بل وفي المنطقة، هذا ما دعاها إلى أن تحقق رغباتها في الاستيلاء والسيطرة على مواقع استراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن كان هذا مجرد رغبة وحُلم، أصبح الآن بإمكانها تحقيقه.

ومن خلال عرض هذه المُعطيات وغيرها، التي كانت سبباً لدعوة الدول الأوروبية بعد قراءتها لمشهد الصراع وما تنويه روسيا في المنطقة، إلى المسارعة لوجود حل سياسي في ليبيا؛ لتقطع به الطريق على وجود حليف آخر كـ"روسيا" في ليبيا من جهة، والسعي الجاد لإنهاء الصراع الداخلي هناك، وضمان وجود حليف كـ"حكومة وفاق وطني" في ليبيا بدعم نسبي مشروط، أملاً منها في استقرار الأوضاع الليبية والحد معها من استمرار الهجرة إلى البلدان الأوروبية عبر السواحل الليبية.

الأمر الذي لم يتفق مع سياسات حفتر "الاستحواذية"، فاتجهت بوصلة الأخير إلى التحالف مع روسيا، الأمر الذي قابلته رغبة شديدة من الجانب الآخر "التوسعية"، فسارعت روسيا بدورها إلى عقد تحالف مع الجنرال "خليفة حفتر" لضمان وجودها على الأراضي الليبية كنقطة استراتيجية أخرى في منطقة الشرق الأوسط.

* المكاسب الروسية في المنطقة
بعد هزيمة أوروبا وأميركا أمام السياسة الروسية في سوريا خلال الفترة الماضية، عمدت الأخيرة إلى تعزيز علاقاتها مع تركيا بعد استباقية الأخيرة لهذه المبادرة، من خلال تقريب وجهات النظر لانتهاء الأزمة السورية الحالية، وذلك للحيلولة دون ارتفاع الفاتورة الباهظة من الخسائر المتتالية بسبب صمود المقاومة أمام النظام وحلفائه، واستمرار الصراع الدائر منذ زمنٍ دون حسم عسكري يُذكر لإنهائه، ومن ناحية أخرى بتنشيط العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري بين البلدين، على الرغم من تعمد محاولات الوقيعة بينهما، في حادث "قتل السفير الروسي في أنقرة".

* نقاط الوجود الروسي

الأمر الآخر يتمثل في استعادة روسيا سيطرتها على مياه البحر الأبيض المتوسط، وبسط نفوذها من خلال التقاء نقاط تمركز في المنطقة.

النقطة الأولى: تتمثل في قواعدها العسكرية في سوريا ونفوذها على السواحل السورية المطلة على البحر الأبيض، وكما ذكرنا أنها أصبحت أمراً واقعياً.

النقطة الثانية: هي الحيلولة دون وجود قواعد عسكرية مثيلة على السواحل الليبية المطلة على البحر الأبيض، المنطقة التي يسيطر عليها الجنرال "خليفة حفتر" شرق ليبيا، ناهيك عن انتعاش تجارة السلاح الروسي وبيعه للأخير وغيره من دول الجوار مثل مصر.

بذلك أصبحت لروسيا في المنطقة "ترسانة عسكرية" لم تكن موجودة من قبل، فرضتها على المجتمع الدولي بالقوة، الأمر الذي بات يهدد معه المصالح الغربية والأميركية في تلك الدول المحتلة.

ولا ريب أن روسيا بالفعل اتجهت إلى نقطة التقاء "ثالثة"، أو كما أسميها المحطة التالية وهي مصر، لإنشاء قاعدة جوية في مدينة سيدي براني شمال غرب مصر، قرب ساحل البحر المتوسط، هذا ما أكدته المصادر الدبلوماسية والصحف الروسية.

ونشرت صحيفة "سبوتنيك" الروسية أن صحيفة "أزفيستيا" الروسية نشرت نقلاً عن مصدر في الخارجية الروسية، مقرب من وزارة الدفاع الروسية، أنه تم التطرق أثناء المحادثات إلى أن القاعدة ستكون جاهزة للاستعمال بحلول عام 2019، في حال توصّل الطرفان إلى اتفاق.

الأمر الذي أثار حفيظة "الغرب" فقام على أثره بتعزيز الوجود العسكري لحلف شمال الأطلسي قرب الحدود الروسية، الأمر الذي شعرت معه الأخيرة بالقلق.

وعلى نفس المنوال بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، قيامها بتكثيف وجودها في سوريا أكثر من ذي قبل، وكذلك إرسال قوات إضافية إلى العراق، للحد من تحركات القوات الروسية، والمضي قُدماً لاستعادة نفوذها في المنطقة من جديد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.