المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عويس سيد Headshot

قطر العَصيّة وخطط فاشلة

تم النشر: تم التحديث:

سأتناول في هذا المقال هذا الحدث الجلل الذي لا يخلو منبر إعلامي أو سياسي أو حقوقي من الحديث عنه، وهو "أزمة حصار قطر"، سأتحدث عنه ليس من باب الدفاع عن قطر فحسب، مع أنني متضامن معها ومع شعبها في مِحنتها التي تمر بها الآن أمام هذه الخطط من دول الحصار، ورداً للجميل، ولما قدمته مع الشعوب في ثوراتها ضد الاستبداد والظلم.

ولكن سأحاول أن ألملم بعض النقاط الرئيسية في الأزمة، وأجيب عن بعض التساؤلات المطروحة على الساحة الإقليمية والدولية، مُدللاً على ذلك بحقائق موضوعية وواقعية.

أقدمت دول الحصار (السعودية - الإمارات - الأردن - مصر) على بعض الإجراءات غير الإنسانية والغادرة، التي من شأنها العمل على إخضاع قطر لمطالب تلك الدول، والتي تتلخص كما أطلقت عليها في كلمة (اللاقطر)، بفرض الوصاية عليها، ومحو وجودها كدولة، لها سيادة في منطقة الخليج والدول العربية، ذلك بعد إيعاز من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومروراً باختراق وكالة الأنباء القطرية (قنا)، كما ذكرت قطر، وانتشار الأبواق الإعلامية التابعة لدول الحصار بالتحريض والتشنيع ضدها، واستتبع ذلك بعض الممارسات التي خلصت إلى مطالب (13 مطلباً) مجحفة تعجيزية، الغرض منها رفضها، ومن ثَمّ الإجهاز عليها بإجراءات معينة، سنتعرف عليها فيما هو آتٍ.

خطط دول الحصار

الخطة (أ)

تمثلت الخطة (أ) لدول الحصار في إحداث انقلاب عسكري، والإجهاز على قطر بتدخّل عسكري من الخارج، أو إحداث انقلاب داخلي، في خطوة سريعة قبل أن تتلقى أنفاسها بعد الإعلان عن قطع العلاقات معها براً وبحراً وجواً، وفرض حصار وعزلة عليها من جميع الجهات، إلا أن دولة الكويت وسلطنة عمان كدول أعضاء في مجلس التعاون الخليجي، لم توافقا على تلك الإجراءات وهذا الحصار، الأمر الذي خفف من وطأة وقوة الحصار في اللحظات الأولى من جهة، وتسريع الحليف التركي الخطى نحو دعوة البرلمان للموافقة على نشر قوات خارج البلاد، فتمَّ على الفور نقل ما لا يقل عن خمسة آلاف من القوات التركية لإرباك دول الحصار، وإفشال هذا المخطط من جهة ثانية.

الخطة (ب)

تمثلت في (الحرب النفسية) تحت ضغط إخضاعها لتنفيذ 13 مطلباً، في مدة أقصاها 10 أيام، كان الغرض منها تعجيز الوفاء بها، ورفضها من قِبل قطر، حتى يتسنى لتلك الدول المضي قدماً في تنفيذ الخطة (ب) تحت غطاء رفض هذه المطالب.

ما هي الإجراءات التصعيدية والمتوقعة من دول الحصار بعد رفض قطر لتلك المطالب؟

بدأت تلك الدول الإجراءات التصعيدية بإرسال عدة رسائل وتهديدات سابقة تمثلت في الآتي:

رسائل تدل على التدخل العسكري، كما صرح بذلك وزير الخارجية البحريني، في تغريدة على حسابه الرسمي على تويتر، بالقول: "أساس الخلاف مع قطر سياسي وأمني، ولم يكن عسكرياً قط، إحضار الجيوش الأجنبية وآلياتها المدرعة هو التصعيد العسكري الذي تتحمله قطر"، وأيضاً وكما نشرته صحيفة "الأهرام العربي" بإنشاء قاعدة عسكرية لدول الحصار في البحرين، أو لمزيد من تضييق الحصار الاقتصادي، أو المزيد من العزلة السياسية والدبلوماسية وإخراجها من مجلس التعاون الخليجي، أو العمل على فرض عقوبات دولية من مجلس الأمن.

والسؤال: هل ستستطيع قطر الصمود أمام ضغوط دول الحصار أم أنها سترضخ لمطالبها؟

وقبل الإجابة عن هذا التساؤل لا بد للقارئ أن يتعرف على قوة هذه الدولة - قطر (الصغيرة من حيث المساحة) حتى تكون الإجابة في محلها.

* القوة الاقتصادية:

الاقتصاد القطري كما هو معلوم للمتخصصين والخبراء لن يتأثر كثيراً بالحصار المطبق عليها، وأفرد موقع الجزيرة في هذا الخصوص تقريراً بالأرقام عن الاقتصاد القطري في مواجهة مثل هذه الأزمات بتاريخ 7 يونيو/حزيران 2017 كالآتي:
أعلن في التقرير أن حجم الناتج المحلي يقدر بنحو 170 مليار دولار، وأن نصيب الفرد من الناتج القومي 129 ألف دولار سنوياً.
وأن حجم التجارة الخارجية لقطر 89 مليار دولار و24.7 تريليون متر مكعب حجم احتياطي الغاز.

- الواردات:

واردات قطر من دول الحصار تعادل نسبة 14% فقط، و86% مع دول العالم.

- الصادرات:

7.5% فقط مع دول الحصار، و92.5 % مع دول العالم.
فإذا نظرنا لهذه الأرقام نجد أن التأثير على الاقتصاد من قِبل دول الحصار سيكون طفيفاً يمكن تعويضه من دول حليفة مثل تركيا كسوق تجارية رائدة، ولما لها من مكانة خاصة بين الدول داخل المجتمع القطري.

* القوة الإعلامية:

تلعب القوة الإعلامية كوسيلة أوسع انتشاراً وأكثر قوة وتأثيراً داخل الشعوب وكلاعب هام على المستوى الإقليمي والدولي، بعد أن جاء الأمير الأب "حمد" على سُدة الحكم في البلاد.

تمثلت قناة (الجزيرة) الإعلامية، كقوة إعلامية في المنطقة لا يُستهان بها من حيث كونها أداة لنشر الوعي السياسي والوقوف بجانب الشعوب، وخاصة دول الربيع العربي في قضاياهم العادلة أمام استبداد حكامهم، فلم تستطِع دول الحصار إيجاد بديل عنها بنفس قوتها، فكان إغلاقها يعد مطلباً أساسياً على قمة مطالب دول الحصار؛ لما لها من قوة تأثير في الشعوب.

* القوة السياسية والدبلوماسية:

تبلورت القوة السياسية والدبلوماسية لقطر في النقلة النوعية الأكثر استقلاليةً التي أحدثها الأمير الأب "حمد"، ومن بعده الأمير الابن "تميم"، بعد أن كانت تابعة للمملكة السعودية إلى شريك لها، وأيضاً دبلوماسيتها في تعاملها مع الأحداث التاريخية التي مرَّت بها المنطقة العربية خلال فترة "الربيع العربي" وما بعده بشيء من الإنسانية، والوقوف بجانب قضايا الشعوب ونشر ثوراتهم، فاستحقت بذلك الإجراء حب تلك الشعوب من ناحية، وكره الأنظمة العالمية التي تحارب الثورات من ناحية أخرى، حيث كانت ضريبة وقوفها مع ثورات الشعوب باهظة، والتي كانت من ضمن الأسباب الرئيسية، بل هي السبب الرئيسي لهذا الحصار.

أما عن قوتها الدبلوماسية فقد استطاعت قطر أن يكون لها حلفاء غير الشعوب ولوبيات ومنظمات داخل المجتمعات الأوروبية وغيرها، بغرض الوقوف معها في قضاياها ووقت محنتها.

* القوة العسكرية:

تتمثل قوة قطر العسكرية في قوة حلفائها كالحليف التركي الذي أبدى منذ اللحظات الأولى للأزمة وقوفه بجانب قطر، وإرسال دفعات وطلعات من القوات العسكرية التركية إلى قاعدته العسكرية هناك، بعد موافقة برلمانه على ذلك، وأيضاً وجود قاعدة العديد الأميركية، ولكن لا يؤمل منها خير، وأعتقد أن وجودها في الوقت الراهن قد يسهم في تأخير التدخل العسكري غير المستبعد من قِبل دول الحصار، وتسعى واشنطن إلى وجود بديل عن قاعدة "العديد" العسكرية في المنطقة، هذا ما أكده في وقت سابق رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي "ايد رويس" بأن الولايات المتحدة تعتزم نقل قاعدتها العسكرية من قطر إلى بلد آخر، إذا لم تغير الدوحة من تصرفاتها الداعمة لجماعات متشددة، على حد قوله.

أما على الجانب الآخر، فإن إيران تأمل في استدعاء قطر لها بفارغ الصبر لسببين:
الأول هو وجود حقل غاز "الشمال" أو "بارس" المشترك بينهما، والسبب الثاني وهو الأهم إيجاد موضع قدم لها في المنطقة، لحماية ودعم ميليشياتها في منطقة الخليج، تجاه المملكة السعودية، وتحاول إيران أن تتقدم في تكنولوجيا استخراج الغاز؛ لتنافس قطر في هذا الحقل، وتستأثر بالجزء الأكبر منه، ويعتبر هذا الحليف غير مرغوب فيه في المنطقة على جميع الأصعدة، وللكثير من الأسباب.

كما يوجد لقطر حلفاء أوروبيون، وفي الآونة الأخيرة وبعد الأزمة الحالية طلبوا منها إجراء مناورات عسكرية في المياه الإقليمية لدولة قطر، كما صرح مسؤول في البحرية القطرية.

وعلى الجانب الآخر من التحالفات، فإن "روسيا" تنتظر بفارغ الصبر التحالف مع قطر، وفكرة نقل قاعدة العديد الأميركية قد يفتح الباب أمام روسيا في إنشاء قاعدة عسكرية في قطر كبديل عنها، وهذا أمر غير مستبعد.

وللإجابة عن السؤال حول صمود أو رضوخ قطر أمام مطالب دول الحصار، فإنه من وجهة نظري أتى الرد القطري بدبلوماسية "محنّكة" ليجعل الكرة في ملعب دول الحصار، ويجعل من الحوار سبيلاً لحل الأزمة وليس القوة، حتى وإن طالت مدة الحصار فقط لحفظ ماء وجه المملكة السعودية في تصعيدها الأخير، وستحاول قطر أن تحافظ على شعرة معاوية بينها وبين دول الخليج، أملاً في إنهاء الأزمة الحالية، وإلا فلن يفيد غير ذلك، وستكون العواقب وخيمة على الجميع في المنطقة، وقد يعد وقوع مثل هذا الأمر -لا قدر الله- كما أعتبر أنه "فخ" للمملكة العربية السعودية، لإضعافها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.