المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد نشبت Headshot

المقعد محجوز

تم النشر: تم التحديث:

يقرعُ قلبي كما الطبول هي لحظات الفرح، الأضواء خافتة، موسيقى الأوركسترا تتلاعب في المكان، جميع الأعين تتجه نحو خشبة المسرح، صفيق وصفير كاد يغلب صوتَ عريف حفل التخرج، تمتمات شفتاي تردد: "لبيك جامعتي"، بينما حدقة عينيّ تبحث في القاعة الزرقاء التي تتسع للآلاف عن عينيّ أمي وفرحتها بدرجة الامتياز مع مرتبة الشرف.

على منصة الخريجين للوهلة الأولى أوجست نفسي خيفةً، لكن أمي قالت حينها: لا تخف إنك أنت الأبهى، وزعت سيلاً من الابتسامات، كنت أبث في الجالسين أمامي ترانيم صمود وصبر وحب واجتهاد، كررت ثلاث مرات: "هندسوا حياتكم بما يتوافق مع أحلامكم"، تُرى هل أجيد هندسة أحلامي؟!

تقدح شرارة الأسئلة عقلي، بينما أدرك حينها أن أحلامنا قليلاً ما تأتي إلينا، هي تماماً كقوس قزح، يزورنا بعد يوم ماطرٍ، يرسم في سمائنا ألوانه السبعة، ثم يغادرنا. بعضنا يراه والبعض الآخر لا يراه أبداً، دمعت عيناي حين قلت: أهدي بداية نجاحي الى سيدة الكون.. أمي، وعدتها وأنا على منصة الأحلام حينها أني سأبني لها بيتاً ترى فيه تعليمي بكل زاوية، وتستشعر بحب الهندسة فيه. لقد كنتُ أهندس أحلامي يومها.

تشرق شمس يوم جديد تحيك على نافذتي قطعاً من رداءِ مستقبلي معلنةً بدء يوم السعي وراء ما حلمت به، ارتشفت قهوتي مع أمي، ودعوات لسانها لم تجف بأن ييسر الله أمري ويسهل دربي، يداها لم تتركني ترتب هندامي وتقبل جبيني بين الفينة والأخرى، وهي تردد: "أحلى مهندس فيكي يا غزة".

حملت بين يدي جهد السنوات من أوراق وشهادات قاصداً إحدى الشركات التي أعطتني موعداً للمقابلة على إثر إعلان لهم في الجريدة حول رغبتها في توظيف مهندس، سارعت بالاتصال بعدما قرأت في ذيل إعلانهم "إيمانهم بتوظيف الجيل الصاعد بغض النظر عن سنوات الخبرة رغبة منهم في ضخ دماء جديدة في سوق العمل".

استقبلتني فتاة في مقتبل العمر، تزين ابتسامتها مراسم الاستقبال تجلي عنك طبقات التوتر توصلني لرجلٍ في العقد الرابع، جميل المبسم، ممتلئ الجسم، صوته رخيم، متوسط طول القامة، وعيناه لوزيتان يترك مكتبه الفخم يجاورني المقعد نتجاذب أطراف الحديث يمضي اللقاء سريعاً، يتوج بتوقعي عقداً براتب مجزٍ.

صوت رقيقٍ يناديني من خلف الباب يقطع ما كان مصاحباً للنوم من أحلام. الأحلام دائماً وردية لا عقبات، لا مطبات، تعرقل طموحنا، والواقع دائماً مخالف. الإشكالية ليست فيه بقدر ما هي فيمن يحيط ويتحكم به رغبة في إشباع شذوذ السلطة.

يتزوج المتحكم الواقع قهراً ليمارس طقوسه غير السوية على مرأى الناس لينجم عن ذلك ابن غير شرعي دون حواس، أصم، أبكم، محب للمال أطلق عليه لقب (الواسطة).

ما لبث هذا المخلوق حتى صبغ بصبغة العالمية، ليتجاوز كل الحدود والفوارق الجغرافية، والاجتماعية، والدينية، ويعترف بالمال كركيزة أساسية للبقاء، ثم المعرفة ثم الخدمات المتبادلة (حكلي تحكلك)! وتختلف مظاهر التعبير عن هذه الواسطة من مجتمع الى آخر.

تتربع الدول العربية على عرشه (خالتي بتسلم عليك - أنا من طرف فلان - فلان الفلاني باعتني الك) وفي مجتمعي (أنا ابن فلان- أنا من المسجد الفلاني - الأمير بيسلم عليك - أنا معي خطاب تزكية من الحركة، أنا معي كتاب رئيس).

في صباحٍ مشرق آخر، أجتهد في مراجعة ما يلزمني قبل التحرك لطرق أبواب المؤسسات. حكومية، كانت أو خاصة. ملف أزرق يضم كامل الشهادات وبعض الرسومات والتخطيطات لبعض المشاريع التي أحسنتُ صياغتَها لعليّ بذلك أقتنص الفرصة، توكلت على الله، وبدأت مسلسل الدوران، وطرق الأبواب، بين التجهم، والابتسام الأصفر، تغلق الأبواب في وجهي تباعاً يقترب النهار من وداعِ الأرض ولم يبق للروح من متسعٍ لتطرق أبواباً أخرى، أشعث، أغبر، أجر الخطى لمأوى الأحلام عليّ أقتبس جذوة من نور تسري في الروح نبضات الصمود.

تكثر إشراقات الصباحات لكنها لا تختلف، أبحث فيه عن ضالتي، في غابة الشركات، والمؤسسات. تهمس الأصوات بضرورة امتلاكك ما يأهلك لاختطاف الفرص المطروحة يقف أمامي شاب وكأنه يعارك نفسه مشدوه البال شاحب اللون قائلاً لنفسه إذ يكلمها: "بدي واسطة.. بدي واسطة.. لو معي واسطة هتوظف.. من وين أجيب واسطة من وين؟)، ينتهى اليوم ومازال بين حلمي وتحقيقه كما بين المشرق والمغرب.

أرمي بجثتي على المقعد إجباراً ترتعش الأصابع خلال ملامستها للكيبورد أدخل الأحرف الأولى للكلمة التي أسرفت في استماعها اليوم، وكأن جوجل يعي ما يدور بخلدي، ما كتبت أول حرفين منها حتى أخرج لي خيارات البحث (واسطة - واسطة توظيف - واسطة تعليم - الواسطة)، تركزت العين على بحث شامل كامل عن الواسطة في وطني كان مما جاء فيه:

(يعتقد 40% من الفلسطينيين أن الواسطة والمحسوبية والمحاباة هي أكثر أشكال الفساد انتشاراً في المجتمع الفلسطيني، لكن المفاجأة أن الغالبية العظمى من المستطلعين يرون أن الواسطة مهمة للحصول على خدمة عامة، وهو ما يعد مؤشراً خطيراً على ممارسة هذا الشكل من أشكال الفساد).

عدلت من جلستي، أطلقت تنهيدة مدوية حاولت فيها إزاحة الظلمِ الجاثم على صدري وقفت أمام المرآة قبل النوم أبحث عن نفسي، وأحلامي أطفأت الأنوار وأغلقتُ شبابيك عينيّ ثم همست لنفسي أن الأحلام لا تموت ما دام وراءها مهندس.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.