المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد نشبت Headshot

سماء لا تعرف التحليق

تم النشر: تم التحديث:

في إحدى صباحاتِ تموز الحارقة, قررتُ أن أرفه عن نفسي بإجازة سنوية, بعد أن ادخرت جل رفاهيتي لموسم كامل, مقررا السفر إلى قبرص الجميلة. لحضارتها شبه العربية, وتفاصيلِ حياتها الأوربية، قبرص, بلد يُبهرك بأماكنه السياحية. لطالما طالعتُ إعلانات الرحلات إليها, والتي تنظمها بعض شركات السياحة العاملة هنا.

أخبرتُ بعض الأصدقاءِ علهم يشاركونني أسبوعاً من المتعة... " فالجنة بدون ناس ما بتنداس" جهزت حقيبةً صغيرةً, تكفِي لقضاء أسبوعٍ من المتعَة, وتجديد الروح، عبرَ هاتفي الصامت حجزت مقعدا على أول طائرة مغادرة إلى جمال قبرص.

في السادسة من اليوم التالي اتجهتُ وبعض الأصدقاء الى رفح; حيث مطار غزة الدولي. أو كما يحب أن يسمّي سكانُ غزة مطارهم الوحيد (بمطار ياسر عرفات) .

في رهبة مطار الياسر سرنا بعض الخطوات, تحفنا الحضارة الشرقية كاملة، برائحتها, تفاصيلها, براعتها, هندستها إتقانها, وعراقتها. للوهلة الأولى من دخولك المطار تشعر أنك في مطار الدار البيضاء, بالمغرب العربي. لشدة التشابه في الهندسة المعمارية.

استقبلنا رجلٌ جميل المظهر لا تفرق بين بياض ملابسه وبياض القباب المعمارية, ختم الجوازات وفحص تذكرة الطائرة بينما رمقتُ بنظرة إعجاب _ بالقرب من قلبه_ دبوس يشير للخطوط الجوية الفلسطينية، ثغرهُ باسمٌ يداه أنيقتان وهما تختمانِ الأوراق, بينما يخاطبنا بحديث لبق وسريع لا يشعرك بالملل مطلقا.

وأنا أتفقدُ بعض الرفوفِ في السوق الحرة القريبة من صالة الانتظار, تسلل لمسامعي صوت نسائي جميل يقول:
" النداء الأخير للرحلة رقم 205 والمتجهة إلى قبرص, يُرجى من الركابِ التوجه للبوابة رقم 5 استعداداً للصعودِ إلى الطائرة مع تمنياتنا لكم برحلة سعيدة".

خرجنا من البوابةِ المخصصة إلى باص يخلو من المقاعد تقريباً، سرنا مسافة بسيطة عبر المدرج حتى وصلنا للطائرة، على باب الطائرة, تستقبلكَ مضيفة الطيران بزيها الأزرقِ يزين عنقها الكوفية الفلسطينية, جميلة هي، جل ما تشعر به جمالها الفاتن! سرعان ما باغتنِي صديقي غامزاً لي بطرف عينه: " يخرب بيت اليهود ما أحلاها مختارينها عالفرزاة" فيما كانت عيناي تراقب حركاتها, وكيفية توزيعها للركاب, فتضفي راحةً نفسيةً غامرة. سيما لأولئك الذين يطيرون لأول مرة في الهواء.

جلسنا في أمكنتنا المحددة، كان مقعدي بجوارِ شبّاكِ الطائرة. بصراحة لم أحلم بأكثر من ذلك, وأنا أطير فوق المتوسط الجميل, ها هو كابتن الرحلة عبر الميكرفون الخاص بقمرة القيادة يحدثنا متمنياً لنا رحلة سعيدة, على متن الخطوط الجوية الفلسطينية, بينما توزع المضيفين على ثلاثِ أماكن في الطائرة: (المقدمة والوسط والمؤخرة). موجهين جملة من نصائح الأمان للركابِ, في حال حدوثِ مكروه _لا سمح الله_ أثناء الرحلة ويؤكدون على ضرورة ربط حزام الأمان قبل الإقلاع, وبين الفينة والأخرى يوزعون ابتساماتهم الجميلة.

لحظاتُ سير الطائرةِ على المدرج حتى انطلاقها للجو لحظاتٌ رائعة بخوفِها, بجنونها, وروعتها. وتبقى التجربة الأولى فيها مصاحبةً لك في كل رحلة طيران (الانطباع الأول يدوم).

بضعُ دقائق كانت كفيلةً أن نترك غزةَ خلفنا! والعين تبصِرها من زجاج النافذةِ الشمال. وقد تشكلت لوحة فنية يلتقي فيها الشاطئ, بمساحتها العمرانية, والشمس في ساعة الغروب; زادتها جمالاً. أشعر وكأنك معي في الرحلة، أنت لا تعرف الطائرة؟! ولم تطر ولو لمرةٍ واحدة, حسناً, في الطائرة اذا نظرت لأعلى تجد ثلاثة أزرار, لكل منها وظيفة؛ واحدٌ للإنارة, وآخر لطلبِ المساعدة, والآخر قد يكون للتكيف, وذلك حسب صنع الطائرة والدرجة التي حجزت بها للرحلة.

عموماً الرحلةُ من غزة إلى قبرص, لا تتجاوز الساعة بحد أقصى... أطفأتُ زر الإنارة وسهوت قليلاً, وقفزت بتخيلاتِي خطوات إلى الأمام, جلت سريعاً في أبرز الأماكن التي سنزورها, الصور التذكارية التي سنلتقطها, الطعام الذي سنتناوله, السهرات الممتعة التي سنقضيها, والهدايا التي سنعود بها الى الأهل والأحبة.

يبدو أن مطباً هوائياً أيقظني. لا إنه مطبُ الواقع الذي نحياه. أوقف سيل تخيلاتي! رجل في العقد السادس من عمره, عندما ألقى السلام وسألنِي عن سبب وقوفي في مكان خالٍ, مدمر؟ فقلت له: أبداً كل ما هنالك أني رغبتُ أن أعيد ذكرياتي الجميلة عندما كنا نملك مطاراً, كان ذلك يا عمي قبل 16 عاما تقريباً.
لحظة من الصمت عمتْ. المكانُ قبل أن يخبرنِي أنه كان أحد العاملين في المطارِ ثم تابع صحيح لم تكن وظيفتي مرموقة, ولم أصعد الطائرة يوماً ما لكن كنت أعرف كل شيء عن المطار. " اييييه يا بني" لم يستمر الحلم سوى ثلاث سنوات, وبعدها استمروا في قصف أحلامنا, سنوات طويلة كانوا يدركون أنه مطار سيادي لذلك محوا معالمه كاملة.

أخبرني أن المطار كان قادراً على نقل 700,000 مسافرٍ سنوياً وكان يعمل 24 ساعة على مدار اليوم، بحركة خفيفة من يديه, تنمُ عن حب للمكان أخبرني أنه يقع على ارتفاع 320قدم (98 متر) عن سطح البحر.

يبلغ طول مدرجه 3,076 متراً. يوجد في المطار 19 مبنى. المبنى الرئيس في المطار مساحته 4000 متر مربع مصمم وفق العمارةِ الإسلامية ومزخرف بالقرميد المغربي, طاقم موظفي المطار يضم 400 شخص فقط, يعملون كخلية نحل لا تكل ولا تمل, كانوا يدركون أنهم جزء من سيادة هذا الوطن.
خيم الصمت مرة أخرى, وتخيلت أن المليون وثمانمئة غزي يحلمون بمطار ومعبر وميناء ليسافروا بأي وقت, وإلى حيث يريدون, وشعرت بمدى االسخط في قلوبهم, وبمدى ما تجنيه الأنظمة التي تحاصرنا من ويلاتٍ, ولعنات, جراء ظلمهم للفلسطينيين، تخيلتُ كيف يرفرف قلب الفلسطيني في العواصم العربية حباً بالسفر والمعرفة.

لا شى يردُ صدى الأصواتِ والقهر في عقلي سوى قول الشاعرِ: وإذا الشعب يوما أراد الحياة فلابدَ لليل أن ينجلى, ولابد للقيد أن ينكسر, ولا بد أن ينتهى السجن المسمّى "غزة".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.