المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد نصر صالح Headshot

التجربة الماليزية.. الإنسان أولاً

تم النشر: تم التحديث:

كثير من تناول التجربة الماليزية من الناحية الاقتصادية، وكيف استطاع مهاتير محمد النهوض بماليزيا خلال فترة حكمه من 1981 إلى 2003 وجعل منها نموذجاً يحتذى به وتجربة تتعلم منها الأجيال.

ولكن قليل مَن تناول التجربة الماليزية من الجانب الإنساني، العامل الأهم الذي بنى وشيد وارتقى ببلده من مجرد بلد زراعي محدود الموارد إلى دولة صناعية متقدمة يشار إليها بالبنان.

معضلة الملايو

وُلد مهاتير محمد من أب ذي أصول هندية وأم ملايوية وكان لهذه النشأة أبلغ الأثر في حياته ونشأته ورؤيته لنهضة ماليزيا، بدء بزوغ نجم مهاتير محمد في الحياة السياسية الماليزية في عام 1970 عندما ألّف كتاباً يحمل اسم "معضلة الملايو"، انتقد فيه بشدة شعب الملايو، واتهمه بالكسل والرضا بأن تظل بلاده دولة زراعية متخلفة ليس عندها أي استعداد للتطور، وكان في هذا الوقت عضواً بالحزب الحاكم الذي قرر منع الكتاب من التداول؛ نظراً لما تضمنه من آراء عنيفة بوصفهم اتجاه شعب الملايو.

وهكذا أدرك مهاتير محمد أن النهضة الماليزية تبدأ بالإنسان، وأن مواجهة العيوب والمشاكل التي تواجهها أي أمة أو دولة فضلاً عن الاعتراف بها هي أولى مراحل العلاج والتقدم.

" فما من مرة ارتكبت فيها غلطة أو اتخذت قراراً غير شعبي وأنا رئيس للوزراء إلا وصمني الناس على الفور بوصمة (الملايوي الأبله)، لكن عندما كنت أتخذ قرارات صائبة، وهي القرارات التي جلبت التقدم والازدهار إلى البلاد، يعزى ذلك إلى دمي الهندي. أردت إثبات العكس، وهو أن الملايويين أقدر على التفكير والتطوير والقيادة" مهاتير محمد.

عمد مهاتير محمد على الانطلاق من هذه النقطة في الاستفادة من الخصال الحميدة التي يتمتع بها الشعب الملايوي رغم ما تتصف به ماليزيا بأنها دولة متعددة الأعراق بحسب الدين والثقافة واللغة، فالاندماج الحاصل بين الملايو والصينيين والهنود الذين يشكلون نسيج المجتمع الماليزي واختلاف الديانات والأعراق استطاع الماليزيون بمرونتهم وسماحتهم في تجاوزه بل جعله نقطة قوة استفادوا من خلالها في خلق بلدٍ متنوع الثقافات والخبرات.

ماليزيا اليوم

عندما تخالط الشعب الماليزي تجد فيه أدباً جماً، فلا تكاد تخطئ عينك في أن ترى كم الرقي الذي حظوا به واحترامهم للعادات والتقاليد التي لا تبتعد كثيراً عن مبادئ الإسلام وعلومه.

فأكثر الكلمات التي قد تتردد على مسامعك هناك: "Terima Kasih" أي شكراً، فلا تتردد حينها في أن تجيبهم: Sama Sama العفو.
واللغة الملايوية "Bahasa Melayu" سهلة التعلم بشكل كبير، وتحمل عدداً كبيراً من المصطلحات العربية والإسلامية.

ويغلب على تدين الشعب الماليزي الطابع الصوفي بما له من نواحٍ سلبية وإيجابية أيضاً من تبسط وتواضع وحبٍ للخير والإنفاق الذي لا يعرف حداً، فكلمة "صدقة" كما هي نفسها باللغة الملايوية، تجدها رائجة إلى حد كبير هناك، ولا تقتصر على الفقراء فقط، ولكن تعتبر كنوع من الهدايا في بعض الأحيان.

ويحظى العرب لدى قطاعات غير قليلة من الشعب الماليزي بتقدير بالغ يصل إلى حد التقديس، ينبع من تقديسهم وحبهم للدين الإسلامي وشعائره، فهم قد فتحوا ذراعهم حكومةً وشعباً في استقبال عدد كبير منهم خلال السنوات القليلة الماضية، سواء في مجال الاستثمار أو التعليم؛ حيث تعد بعض الجامعات الماليزية من أقوى 500 جامعة بالعالم.

بالتعليم قد بدأوا نهضتهم؛ لأنهم أدركوا أن النهضة لا تقوم إلا بأجيال واعية واعدة، ليس ذاك التعليم الذي تحسن فيه فقط الكتابة والقراءة، ولكن بمفهومه الأشمل، التعليم الذي يبني الحضارات.

رقي الأمم والحضارات ينبع أولاً وأخيراً من المادة الخام لهذه الحياة ألا وهو الإنسان، الذي إن تعمل على رعايته وصقله ترى منه ما لا يُتَصور، هم أدركوا وتعلموا كيف يصنعون نهضة بنتها أيديهم، فكافحوا كثيراً للحفاظ عليها، وما زالوا على الدرب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.