المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد نجيب Headshot

شيفرة الحياة - Life Code

تم النشر: تم التحديث:

رغم ضعف إمكانات ألعاب الفيديو أو الألعاب الإلكترونية خلال فترة طفولتي، فإنها امتلكت الوقت الكافي من يومي واستحوذت من تفكيري الكثير.

حرصتُ -كأي طفل في عمري- كل الحرص على ألا أُهزم خلال ممارستي تلك الألعاب التي أصبحت محور حياتي حينذاك، مئات المرات دون كلل أو ملل لعبور مرحلة أو هزيمة (وحش)، فشلت في كثير من الأحيان فأُصاب بالملل وابحث من جديد عن لعبة أتفوق عليها وليس العكس.

قد يرى البعض أن مجرد الاهتمام بتلك الألعاب كارثة ولا فائدة إطلاقاً منها، فهي مجرد مضيعة للوقت، فلا شك في أن كل مجال به من النفع والضرر.

إنّ للألعاب الإلكترونية العديد من الفوائد المختلفة وخاصةً للأطفال، فتمّ إجراء العديد من الدراسات على الأطفال والمراهقين وآثار الألعاب الإلكترونية عليهم، وقد كشفت هذه الدراسات عدداً من الإيجابيات والسلبيات؛ فمن فوائد الألعاب الإلكترونية أنّها تنمّي الالتزام بالأوامر والتعليمات، وتنمّي المنطق لممارسيها والقدرة على حلّ المشاكل.

تساعد هذه الألعاب على تنمية بعض القدرات الذهنية الأخرى؛ كالقدرة على مزامنة حركة الأعين مع اليدين، والقدرة على القيام بعددٍ من المهام في الوقت ذاته، بالإضافة إلى القدرة على التخطيط وإدارة الموارد، وسرعة البديهة والتحليل، كذلك تنمية العقل والقدرات الذهنية المختلفة والتي تختلف بحسب الألعاب التي يمارسها الأشخاص.

كما يمكن استخدامها في التعليم كوسائل؛ ما يجعل من التعليم أمراً ممتعاً لدى الأطفال وحتى الشباب، فحتى إنّه يمكن استخدام بعضها بالمحاكاة في تعليم أعقد الأمور، فتوجد على سبيل المثال بعض الألعاب التي تحاكي الطيران والتي تعتبر أشهر الألعاب، ولكن توجد العديد من ألعاب المحاكاة الأخرى، كمحاكاة صيانة السيارات وغيرها.

سلبيات الألعاب الإلكترونية

إنّ سلبيات الألعاب الإلكترونية تنتج في العادة من الاستخدام الخاطئ لها، والخطأ في اختيار الألعاب المناسبة حسب العمر؛ وذلك بسبب العنف الموجود في العديد من الألعاب، فقد لوحظت زيادة في مستوى العنف بسلوك الأطفال؛ ففي الكثير من ألعاب الفيديو يتحكّم الأطفال في العنف الموجود في اللعبة بأنفسهم، ويشاهدونه بأعينهم ويُكافأون أيضاً كلّما زادوا من العنف في أثناء لعبهم.

كما لوحظ أيضاً أنّ الألعاب الإلكترونية تؤدّي إلى زيادة العزلة لدى الأطفال وتشوش تفكيرهم فيما بين العالم الافتراضي الموجود في الألعاب والعالم الحقيقي الذي يعيشون فيه، وهو ما لا ينطبق على الأطفال فقط؛ بل على الشباب في كثيرٍ من الأحيان، كما تزرع معتقداتٍ وأفكاراً خاطئةً في عقول الأطفال والشباب، وهي التي قد تتخالف مع التربية التي يربيها الآباء لأبنائهم وتختلف مع العادات الموجودة في مجتمعنا.

ومن الأخطار الأخرى للألعاب الإلكترونية، الوقت الكبير الذي يقضيه الأشخاص في اللعب، وهي التي تسبّب العديد من المشاكل المختلفة، كإضاعة الوقت، فيعاني العديد من الأشخاص إدمان الألعاب الإلكترونية وحتى من دون أن يدروا، وهروب الشباب والأطفال من الواقع إلى الألعاب فينسون ما يدور حولهم من مشاكل أكبر من خلال هذه الألعاب، وهو ما يؤدي إلى تفاقمها بشكلٍ أكبر.

بعيداً عن الدراسات، أعتقد أن هناك تحولاً نفسياً عميقاً سببته تلك الألعاب على شخصياتنا، خاصةً بعدما أصبحت علاقتنا بتلك الألعاب نِدية، فكل السعي فيها هو الانتصار، ومع كل فشل يتولد في المقابل عِندٌ وإصرار، حتى ظهر الحل؛ شيفرة الحياة.

حينها، أصبح الأمر معقداً، فما كانت تظهر لعبة تلو الأخرى إلا ويظهر معها مفتاح الحياة (كود يتم إدخاله).

كان الممتع في السابق، هو المحاولة والإصرار وقتها؛ فشل يتبعه محاولات حتى النجاح، لا مشكلة أن تصاب بالملل أو تبحث عن لعبة أخرى.

فسربت تلك الأكواد وما إن يتم إدخالها، تحصد من خلالها النصر، فلا طلقات نارية أو وحوش لها تأثير ولا باب إلا ويفتح، وتتمتع برصيد من الذهب والأموال الوفيرة، ألقِ نفسك في الموت كما تشاء فلن تموت ولن ترى تلك الكلمات المحبطة (Game Over).

للأسف، كانت تلك الشيفرات لها تأثير سلبي على حياة أغلبيتنا؛ فسعى الكثيرون للبحث عن تلك الشيفرة في حياته الحقيقية، فتعاملوا بمنطق كل ما يُطلب يُجاب، سعوا لتحقيق الذات بكل السبل والوسائل.

النجاح والانتصار غاية تُدرك بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، حتى اصطدمنا بواقع مختلف ومناقض، هناك شيفرات حقيقية، لكنها ليست أكواداً وإنما هي النفوذ والسلطة والمال، بها تتمكن من لجام هذا الواقع الشرس.

لا مانع من الإصرار على النجاح، فقبل ظهور تلك الشيفرات كان الصبر والاستمرار أساسيَّين لجيلنا لتحقيق النجاح.

فهيهات هيهات أسمعت لو ناديت حياً، ولكن لا حياة لمن تنادي، غلبتنا تلك المرة لعبة الحياة، فالصبر قد نفد من متطلباتها المريرة والاستمرار أصبح من العدم. وبحثك عن شيفراتها لن تجده إلا في طرقات الظلام، حيث التيه.

فأصبح الحل مختصراً بين الاستسلام والهروب؛ استسلام لدفة الحياة فلا طموح أو رغبة في التطور، والهروب إما بحثاً عن فرصة حياة عادلة في مجتمعات أخرى وإما هروباً عن الوعي بالمخدرات عن عالمك الحقيقي.

لكن رغم كل تلك الانتكاسات، هناك أمل.
قريباً سيجمع شتات شباب جيلنا، ولربما يوماً ما نمتلك عزيمة وإرادة كما السابق، نحاول مراراً وتكراراً حتى ننتصر دون أكواد ودون ملل.

قريباً سيعود اللاعبون في الميادين الثورية ساعين لإنارة تلك الطرقات المظلمة ومصممين على إقامة حياة عادلة ولعبة شريفة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.