المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد نجيب Headshot

طبيبة خان شيخون

تم النشر: تم التحديث:

ها قد مضى يوم من التعب، فبعدما عدت من مدرستي، وذاكرت فروضي، ولعبت مع أخي الصغير كم أحببته كثيراً؛ لأنه يبادلني الحب.
وعلى الرغم من أن أمي أعددت الطعام، ولكننا ننتظر أبي ليأكل معنا، هكذا تعودت منذ صغري، أنتظره في الشرفة وأسترق النظر بحثاً عن أبي وسط المارة، حتى إن ظهر فأصرخ بصوتي ليلتفت أبي ويلقي لي قبلته الدافئة.

شعرت بأنه يوم غريب ازداد فيه الحنان والدفء في منزلنا، جلسنا معاً على مائدة الطعام، وبعدها ظل أبي يلاعبني أنا وأخي، ثم شاهدنا التلفاز حتى جاء موعد النوم.
مر اليوم سريعاً، هيا إلى فراشك يا حبيبتي، هكذا قال أبي.
أصررت على أن يوصلني ويقص لي قصة قبل نومي، فحملني بين ذراعيه ووضعني في الفراش وقص لي قصة سماها "طبيبة خان شيخون"، كان يقصدني أنا.

إنها مدينتي، نتبع منطقة معرة النعمان في محافظة إدلب، أحفظني إياها أبي بعد أن ازداد الأمر سوءاً في وطننا، خوفاً من ضياعي، إنها تحكي عن طفلة صغيرة جميله في نفس عمري، كان لديها أخ يصغرها بسنتين كأخي.
ما أروعك يا أبتِ! وكأنك ترسم لي حياتي بنيانها الفرح والسعادة والأمل والسلام، عشقتك بتنهيدتك ونبرتك وقبلاتك المعتادة كل ليلة، بعد أن تعود من الخارج، وقد أنهكت بسبب عملك الشاق.
حمداً لله أن اليوم إجازة، فالجو بارد بالخارج، يا أبتِ ضمني في صدرك.
كانت الطفلة، هكذا أكمل قصته بعد أن ضمني هرباً من الصقيع، تحب دراستها، وكان طموحها أن تكون أعظم طبيبة في العالم؛ لترفع راية وطنها وتعالج بالطبع أهل مدينتها.

قاطعته: أبي أتحب وطننا؟ أتحب سوريا؟
نظر إليّ نظرة ألم وخنوع، وقال: (سوريا في دمي)، ذكرياتي وعائلتي وأمك وأخوك وأنتِ يا جميلة الجميلات، أحبها من قلبي، ثم أكمل وقال: إن هذه الطبيبة ستتزوج من ابن جارنا، فانتفضت، ولكنه أراد أن يمازحني فهو يعلم جيداً كم أحببت ابن جارنا وأحبني، إنه بطلي فنذهب إلى المدرسة معاً ولا يترك أحداً يضايقني.
- أبي أمن المفترض أن تعالج الطبيبة جارنا؟ أخاف منه حينما يسقط على الأرض ويظل يتشنج وينتفض يا أبي.
طبيبتي ستكون ماهرة وتعالج العالم، والآن يكفي حبيبتي تصبحين على خير.
- أحبك يا أبي.

نمت يا أبي، ولكنها النهاية، نمت ثم استيقظت على حلم مرعب، ومخيف، المكان مدمر، أخي ينزف، وأمي ملقاة على الأرض، أتسمعينني يا أماه، وينك يا أبي؟ أنقذنا، يرشون أخي بالماء، وكذلك أنا، جردنا من ملابسنا - اختنق يا أبي - لا أستطيع الكلام، ولا أرى جيداً، أين أنا وأين أهلي؟ أين خان شيخون؟
سيارات الإسعاف لماذا؟
أصبح الحلم مزعجاً، ولكنني لم أستطع العودة إلى الواقع، احتجت العودة ساعات قليلة، فدفء قبلة أبي ما زال على جبيني .

أتعلم يا أبي لم أصبح أخشى جارنا وتشنجاته؛ لأنها قتلتني؟
أتعلم يا أبي لم أصبح أرغب في البقاء فأحلامي دفنت؟
أتعلم يا أبي لم أصبح أحب سوريا؛ لأنها لم تحببني يوماً؟

سلاماً يا سوريا.. سلاماً يا أبي وأمي وأخي.. سلاماً على ضمائركم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.