المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد موسى Headshot

وإني لأعرفك يا إسكندرية الشتاء

تم النشر: تم التحديث:

من اللحظة الأولى أطاحت حركة يوليو/تموز بالجميع، الوفد والشيوعيين والأعيان والأرستقراطيين والإخوان المسلمين. عبرت الحركة عن نفسها بإعلام الصوت الواحد، وعن الشعب بحزب واحد هو الاتحاد الاشتراكي. وفي بنسيون ميرامار بالإسكندرية كان المطاردون جميعاً هناك، في نهاية الستينيات، وما أدراك ما السنوات التي تسبق هزيمة!

هكذا نشر نجيب محفوظ شهادته عن عصر "ميرامار" قبل شهور من النكسة.

عن عامر وجدي الصحفي الوفدي الذي أطاحت به حركة الجيش إلى الهاوية بعد أن كان ملء السمع والبصر. "عندي المصران الغليظ والبروستاتا، نحمده على كل حال. ذهب الأصدقاء وذهب زمانهم، وإني أعرفك يا إسكندرية الشتاء".
يتذكر حواره الأخير مع رئيس تحرير قبل الاعتزال، ويفكر: إنما خُلق القلم لأصحاب العقول والأذواق، لا للمجانين والمعربدين من ضحايا الملاهي والحانات.. ولكن قضي علينا طول العمر بالسير في ركاب زملاء جدد في المهنة، لُقنوا علمهم في السيرك، ثم اجتاحوا الصحافة ليلعبوا دور البهلوانات.
يرد على صاحبة البنسيون عندما تسأله عن موقفه المالي: أرجو أن يكون عمر مدخراتي أطول من عمري. "في ذمة الله ذكريات الأزهر، وصحبة الشيخ علي محمود وزكريا أحمد وسيد درويش. حزب الأمة ما أعجبني فيه وما نفرني منه. الحزب الوطني بحماساته وحماقاته. الوفد بثورته العالمية الخالدة. الإخوان الذين لم أحبهم. الشيوعيون الذين لم أفهمهم. الثورة ومغزاها وامتصاصها للتيارات السابقة. غرامياتي وشارع محمد علي. لو قُيض لذكرياتي أن تُكتب لكانت عجباً حقاً".

طلبة بيك مرزوق نجم أحزاب السراي وعدو الوفد، ووكيل الأوقاف الأسبق. كان أيضاً تحت الحراسة بعد تجريده من موارده. يقول: خسرت أموالي جميعاً ثمناً لنكتة عابرة. المسألة ببساطة أنهم كانوا في حاجة إلى مالي.
سرحان البحيري، الابن الشرعي لنظام يوليو، من هيئة التحرير إلى الاتحاد القومي واليوم عضو بلجنة العشرين وعضو مجلس الإدارة المنتخب عن الموظفين بشركة الإسكندرية للغزل، ممثل الثورة في البنسيون، ومن الموعودين ببركاتها كما كان يعتقد.

في السابق كان عضو لجنة الطلبة الوفديين، "كنا وقتذاك أعداء الدولة، أما الآن فنحن الدولة". أما الآن فهو يخطط لسرقة الغزل من مصنعه، وبيعه في السوق السوداء، لا يعاني ضميره من اختلاس أموال الشعب الذي يتحدث باسمه في لجنة مشاكل العمال، ولا من "زهرة" التي يغدر بها ليتزوج معلمتها الموظفة.

ثم زهرة الفلاحة الشابة التي يتلاعب بها الجميع، ويتحرش بها الجميع، ترفض العودة إلى القرية: هنا الحب والتعليم والنظافة والأمل. زهرة تضع قدمها في عالم النور عبر بوابة العلم، تتعلم القراءة مع مدرسة خصوصية، وتقول بإصرار: سأتعلم بعد ذلك مهنة فلن أبقى خادمة. لكن البحيري يقسو على زهرة حين يقارنها بمعلمتها الموظفة: هنا الفطرة والجمال والفقر والجهل، وهنا الثقافة والأناقة والوظيفة. ينقص هذه الرواية العظيمة فصل هو الأشد وطأة وأقوم قيلاً، كان لا بد أن تكتبه زهرة.

مثل أيام ميرامار، تعيش مصر الآن في سياق سياسي أطاح بالجميع، ولم يقدم بديلاً حتى في صورة حزب واحد يعبر بصدق عن الشعب. وإعلام الصوت الواحد يتعامل مع مواطن بلا ملامح سياسية، باعتباره مؤيداً سرمدياً مهما حدث. وإذا كان للمواطن أو الإعلامي رأي خارج السرب، فيجب أن يهرب إلى الخارج أو الداخل، مجللاً باتهامات الإرهاب والعمالة، وقد يجد نفسه وراء القضبان بلا مناسبة.

هذه الأجواء هي التي جعلت إنجازات الستينيات الثقافية والصناعية تتهاوى من الواقع ثم الذاكرة، مقارنة بمشاهد القمع والإقصاء التي دهست الإنسان وكرامته.

ذلك أن الإنسان أغلى من المصنع ومن الخطابات البلاغية،
أغلى من المقدمات النارية التي نمضغها ليلاً فنمتلئ بالكراهية وصيحات الانقسام، وقد نصحو على كارثة اسمها صباح الغد.

فهمها حسني علام نزيل بنسيون "ميرامار"، وقال للبحيري ذات خناقة: نحن نعيش في الأيام التي تسبق يوم القيامة.
وما أدراك ما الستينيات حين تحولت سجناً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.