المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد موسى Headshot

هذا البرنامج يأتيكم برعايتهم

تم النشر: تم التحديث:

"مافيش حد عايز يتكلم في الموضوع، ولما حاولنا نتواصل مع المسؤولين عن الملف في وزارة الزراعة أو الإسكان، مش عايزة أقول لك دوخونا قد إيه، وفي الآخر ما عملناش الموضوع".

كانت الزميلة الصحفية تشكو حزنها وقلة حيلتها من كل المصادر الرسمية المسؤولة عن قضية تكلم فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخراً، كل مسؤول يخشى أن يخطئ في تأويل ما يريده الرئيس، ويرفض تقديم ما لديه من معلومات.

لم يعد "إعلاماً"، تزدحم الشاشات بالعناوين العاجلة عديمة الأهمية، وتقرأ أخباراً مطولة منزوعة القيمة، لا نعرف ما وراءها، كأنها مواد علاقات عامة لكل الوزارات والمؤسسات بلا استثناء، والإعلام الحر شرط أساسي ليصبح المجتمع حيوياً، ديمقراطياً.

رغم هذا تزدهر برامج التوك شو والشبكات الاجتماعية بجدل صاخب عن قضايا تخطف الأبصار: تكفير المسيحيين، حقارة صلاح الدين الأيوبي، شتم رئيس السودان "جاهل ولازم يذاكر التاريخ"، وعرض حالة نادرة لفتاة تتغذى على الطوب الأحمر، واعترافات المذيع الوسيم بأنه تعرض للتحرش.

الأميركية كايتلين جونستن، التي تصف نفسها على صفحتها بموقع تويتر بالصحفية المتشردة، نشرت قبل أيام الجزء الثاني من مقال طويل، تشرح فيه كيف تحول الإعلام الأميركي تماماً إلى أبواق دعائية لأصحاب النفوذ والمصالح؛ لتصل من بحثها إلى نتيجة سياسية، هي أن "الديمقراطية أصبحت غير موجودة بالمجتمع الأميركي على نحو لم يسبق له مثيل"؛ لأن الإعلام أصبح مخنوقاً.

تنقل الكاتبة عن ناعوم تشومسكي قوله إن "الطريقة الذكية للاحتفاظ بالشعب سلبياً ومطيعاً، هي تضييق نطاق الآراء المسموح بها في الإعلام لأقصى حد، ثم السماح بجدل صاخب يدور في الهامش الضيق المتبقي". يضيف تشومسكي: من السخافة أن نتحدث عن الديمقراطية في مجتمع تحكمه شركة عملاقة.

النخبة الحاكمة الآن لا تسجن المنشقين ولا تشنقهم، بل تستبعدهم من الأضواء بكل الأسلحة، وتهتم بالحفاظ على الأغلبية الساحقة المسحوقة في حالة عبودية للشركة التي تحكم. وأسوأ أنواع العبودية هي تبعية العقول لأمواج التضليل وغسيل المخ المتواصلة.

تعلمنا أن إحدى رسائل الإعلام هي "إخبار الجمهور بحقائق ما يجري، حتى يتسنى للناس المشاركة في العملية السياسية بصورة أفضل"، لكن ما يحدث هو أن الإعلام الأميركي يخبرنا بما يريد أصحاب السلطة أن نعرفه، ويخلط الحقائق بالأكاذيب. أصبح الإعلام أداة للدعاية بأيدي السلطات بكل أنواعها، السياسية والاقتصادية والإعلانية، كما تضيف جونستن.

لن يتحدث مسؤول للصحفي عن الأسباب الحقيقية لفشل مشروعات قومية، ولا عن المقبل من قرارات مؤلمة تمس حياة المواطن، أو حجم الديون التي سيسددها الأحفاد، ولا عن قواعد استعادة أراضي الدولة. لن نعرف أسس المصالحات مع الفاسدين، وطريقة هروب بعضهم في وضح النهار أحياناً. كلها ملفات شائكة يدفع المسؤول غالياً إذا تورط بمعلومات عنها للصحفي.

يترك الإعلام تحت ضغوط كثيرة ملعبه الأساسي، وهو خدمة المجتمع وتعريفه بما يجري؛ ليتلاعب بالعواطف الطائفية والنميمة، والخناقات التي يتم تدبيرها بمهارة لاعبي السيرك. كثيراً ما ينتهي الصخب في موضوع ما، فنستدعي وكيل الوزارة من جديد على الهاتف، "وننفخ في الرماد لعل ناراً".

وإلى أن تتغير فكرة المسؤولين عن دور الصحفي، لن يصل للمواطن من حنفية الإعلام سوى خناقة صلاح الدين الأيوبي، وفتاوى التكفير، وفتاة الطوب الأحمر.

ما زلنا في هامش ضيق يرمينا يومياً إلى برامج الصخب الفارغ، برعاية الشركات العملاقة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.