المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد موسى Headshot

"الرسولة" من أرض الخوف

تم النشر: تم التحديث:

في سنة بعيدة تومض بلا توقف في الذاكرة، أضاء صوتها الغرفة الصغيرة مثل نصل من نور حاسم، وتراتيل، وصلاة سرمدية تسري من عصور الكهف إلى المدن الحديثة.

بيتي أنا بيتك، وما إلى حدا
من كتر ما ناديتك وسع المدى

ارتعدت من قوة الصوت وعذوبته وصدقه، لم تكن تغني، كانت تبتهل في فضاء بلا سماوات، ويهدر صوتها مخيفاً مجللاً بالألم.

كنا في مدينة الطلبة، بغرفة صديق الصبا والأسئلة الصعبة الذي أفتقده كثيراً، حسني حسن، وفي ليلة كنت أهتز فيها بسؤال مراهق عن مغزى الحياة، ضغط حسنى زر الكاسيت الصغير، وصمتنا.

نطرتك ع بابي وع كل الأبواب
رسمت لك عذابي ع شمس الغياب

بدأ صوت السيدة يتهدج متوسلاً من قاع الوحدة واليأس، إلى نور الأنوار، شمس المساكين، روح الروح.

عرفت فيروز بعد أن قطعت مشواراً طويلاً مع كل أنواع الغناء العربي، عبر الراديو الذي لا يصمت طوال اليوم في بيتنا الريفي، فكانت حدثاً كونياً هزَّ كياني في أولى سنوات القاهرة، ولم تكن فقط صوت الحب وجارة القمر؛ بل زعيمة الإبداع في ورشة الرحباني، التي حفلت بكل أنواع التجارب الموسيقية والشعرية، ينساب صوتها في سكون مدينة الطلبة، فتنتفض الروح:

عدلك فاض عليّ.. كرمك ضوّاني
إذا كلن نسيوني.. وحدك ما بتنساني

في الإبداع الموسيقي قدمت "الست" مواويل وألحاناً قريبة من المدرسة التقليدية والمصرية بالذات "وقف يا أسمر"، وشطحات للبيانو على إيقاعات لاتينية جديدة "يابا لالا"، تهاويل بدوية مخيفة اللحن والكلمة "نحن ودياب الغابات". الجاز العربي المتنكر في صورة شرقية بصحبة عود منير بشير "مشق الزعرورة"، ثم درة العصر الرحباني، هذه المسرحيات التي زرعت في الأفئدة عقيدة الحب والإنسانية والعدالة.

"اللي بيندفع حقه ناس.. صار هو أغلى من الناس؟"، سؤال بصوت فيروز في مسرحية "جبل الصوان" تصعب الإجابة عنه، حتى من جانب المناضلين عن الحرية والإنسانية، عندما يسقط ضحايا في أغلب الأحيان.

الحب الرحباني ليس يسوعياً يبارك اللاعنين ويحب الأعداء، لكنه مسار إجباري لوقف تدهور الإنسانية في اتجاه التخريب والعذاب والعار.

بلدي صارت منفى
طرقاتي غطاها الشوك
والأعشاب البرية

هنا لا يوجد قلب بشري يتحمل طاقة الإنسانية المرهفة في صوتها، وفي كلمات الرحبانية المفعمة بأمل حزين، فكيف وصل الغناء إلى هذه الذروة على يد فيروز ورفاقها الرحابنة، وكيف ضل سواها هذا الطريق، ودون استثناء؟
غنت فيروز أشواق المراهقة العذراء "حاكيته وحاكاني عادرب مدرستي"، وأسئلة الفلسفة الصعبة، "وين بدو الطير يهرب من وسع السما؟"، والسخرية من دولة الطغيان: "مين اللي بتراقبه ومن عم بيراقبك، ومين ركب ها التركيبة؟".

كنا شباباً مارقاً بالمعنى السياسي، متسائلين في رواق الدين، غاضبين من قيود المجتمع، لكن أرواحنا لم تمس بعد هذه النغمة المقدسة، ولم تتلمس موضعها من سيمفونية الخالق ذي الجلال.


لا تهملني لا تنساني يا شمس المساكين
من أرض الخوف منندهلك
يا شمس المساكين

لا يضيع مع السنوات انفعالي الأول بأغنية فيروز "صلاة"، تتجدد ويبعثها الله في منامي ويقظتي، كلما ضاقت الدروب، وتمخضت المواجع عن لا شيء.

فيروز التي سمَّاها كاتب لبناني "الرسولة"، تحتفل بعيد ميلادها هذا الأسبوع، فأتذكر نعمة الله القدير على مَن عاشوا معي عصر السيدة، ترجمان القلوب والأشواق، ورسولتنا من أرض الخوف، إلى الأمل الذي لا ينسانا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.