المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد موسى Headshot

صباح جديد يولد في نافذتي

تم النشر: تم التحديث:

في هدأة الفجر المهيبة يبدأ كل شيء، لكن في الضباب الذي يأكل الحاضر والمستقبل معاً يضيع كل شيء. كلهم عبروا من هنا: المناضل وتاجر الفراخ الفاسدة، اليساريون وأهل الله من الإخوان والجماعات الإسلامية، بجانب الرئيس المؤمن آخر الفراعين العظام، ثم الحرامي الذي اعتقل مصر ثلاثين عاماً، وتركها جسداً مستباحاً للفساد.

المنصورة مسرح الرواية من الثمانينات، منذ وصول الأب عثمان النبرواي إلى المدينة حافياً، حتى دخول الأولاد والأحفاد في رحاب الشتات المصري الكبير. إنها رواية "السيدة القوقازية" التي صدرت مؤخراً للأديب الطبيب عامر سنبل. التقيته شاباً وأنا في عامي الجامعي الأولي، في قاهرة الثمانينات، للمرة الأولى والأخيرة.

عن أيامنا وما جرى لمصر فيها يكتب عامر، عن سنوات الهبوط الرأسي من دولة كبيرة إلى شبه دولة. من مجتمع يصنع الأحلام إلى كُتلة تنقسم على نفسها مثل الأميبا، وتتكاثر بالحقد والجهل والمرض. عن أولاد وبنات مثل الورد، ينبتون في طمي الدلتا الخصب، ثم تتخطفهم الطير والطرقات، وتلتهم أعمارهم الأفكار والأحلام.

سناء بنت الحلم الإخواني تدخل التجربة من كتاب زينب الغزالي، وفي سجن القناطر تكتمل التجربة مع ورد، التي تعرَّفت عليها على الإنترنت، لأنها مهتمة بدراسة اللغة العربية وأصول الدين. في السجن تعلَّمتْ أن تصحو بين الفجر والصبح، تصلى وتتلو الأذكار، فتتسلل إلى روحها بهجة غامضة، رغم ضياع الوطن والحبيب.

أوليفيا بنت الحلم اليساري، تغنَّت للثورة مع أحد الشعراء المناضلين. تابعتْ معه معارك الطبقة العاملة ضد انفتاح السادات، كان العمال أول شهداء الرأسمالية المتوحشة في السبعينات. مؤتمرات حزب التجمع بالمنصورة كانت مزيج السياسة والفن، ولقاء الرفاق والأحبة. إلى المدينة حضر الشيخ إمام ونجم في ذكرى انتفاضة يناير القديمة، وهنا ناضل الشرفاء ضد قانون الإصلاح الزراعي الجديد، الذي صدر بضغوط صندوق النقد، وهنا فقدت أوليفيا قلبها البريء.

انهزم الحلمان، اليساري والإسلامي، في غياهب دولة مبارك المجرمة، ولم تشهد مصر من قبل هذا الاستعراض المخزي للثروات، والأعداد المتنامية للرازحين تحت خط الفقر أيضاً. تموج القاهرة بمظاهرات ضد الطاغية في سنواته الأخيرة، ويدور الحوار:

- البلد دخلت منذ ثلاثين عاماً في ثلاجة الموت البطيء.
- مصر في قبضة أنصاف المتعلمين، وأنصاف الكفاءات، وأنصاف الفاسدين، وأنصاف المستنيرين، وأنصاف السياسيين، وأنصاف الدعاة، طبقة الأنصاف تحكم.

- ألا تشم رائحة عفنهم، النظام يسقط، لا أحد قادر على إيقاف سقوطه.

هكذا تُقدم "السيدة القوقازية" شهادةً نوعيةً بتوقيع عامر سنبل، عن مصر في نصف قرن. الروائي يتنقل بين الشخصيات ببراعة روائي خبير.

يتلاعب بالزمن، تدخل الشخصية إلى الأحداث بلا هوية، ثم تنهمر الحقائق، فيعود الزمن إلى الماضي، أو يندفع إلى المستقبل، لتكتمل الملامح، وتتشكل المصائر.

ولأن أولى علامات نهاية الحياة هي محبة الموت، فإن هذه الرؤية الملحمية ترفض الاستسلام لكابوس الانهيار المصري الكبير، على يد سلسلة من الفراعين وأشباه الفراعين. الحياة مستمرة لترفض الموت وتهزمه. إنه صباح جديد يولد في نافذتي كما كانت سناء تقول بعد صلاة الفجر: "من بطن الألم والوحل والقذارة يولد الأمل، من منشية المصطفى تولد مصر الجديدة، وفي جحيم الأحياء الشعبية يولد الشعراء"، كما تقرر الرواية فيما يشبه الرؤيا.

نقرأ الرواية، فنعرف أن مصر وحشتنا، لأن "أقسى ما يتذكر المرء بعد الفراق هو كم كانت حبيبته جميلة"، كما قالها عامر سنبل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.