المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد التميمي Headshot

ألا ليتَ "التاريخ" يعود يوماً

تم النشر: تم التحديث:

أقرأ في التاريخ فأشعر أنه حكايات أسطورية لا تمتّ لحاضر أمّتنا بِصِلة لا من قريب ولا من بعيد، فحين تحاول ربطها بما آلت إليه أحوالنا الآن، ستعتقد أنها ضرب من ضروب الخيال، وربما النوع الواسع منه.

قد كانت أحداثاً تاريخية لا يُنكرها عدو، والحق ما شهدت به الأعداء.

عندما كانت الخلافة العثمانية في عهد السلطان العثماني (عبد الحميد الثاني) يسميها الغرب بالرجل المريض، كان لهذا الرجل المريض حياة رغم مرضه وضعفه.

في عام1890م، ألّف ماركي دو بونييه، من أعضاء الأكاديمية الفرنسية دراما بعنوان: محمد، وسلمها إلى الكوميديا الفرنسية، ووردت الأنباء من الصحافة الأوروبية بابتداء التدريبات المسرحية، وأن ممثلاً سيقوم بأداء دور نبينا محمد -عليه الصلاة والسلام- في مسرحية تحمل فصولها إهانةً واحتقاراً لشخص النبي صلى الله عليه وسلم.

وما كاد الخبر يبلغ مسامع عبد الحميد حتى بادر بالتحرك، وحال دون ظهورها على المسرح الفرنسي، بل في فرنسا كلها فكيف كان ذلك؟!

أرسل خطاباً إلى رئيس الجمهورية الفرنسية (سادي كارنوت) يقول في مطلعه: "حول التحضيرات المسرحية باسم حضرة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام"، وهذا يحمل في طياته إشارة إلى أن المسرحية تتجاوز بعدها الفني إلى لعبة صراع حقيقية.

فقام بتوجيه تحذير شديد اللهجة، وهدد بقطع العلاقات الفرنسية العثمانية، فتم وقف العرض، وخابت كل محاولات (دو بونييه) المتكررة لعرض مسرحيته حتى بتغيير اسمها وبمحاولة عرضها في أماكن أخرى فقد لاحقته دبلوماسية رجلٍ مريض، حتى اندثر ذلك العرض إلى الأبد.

وكان خبر المنع في الصحيفة الإيطالية (كابيتان فاركاسا) في 15 أبريل/نيسان 1890:
"عندما بلغ السلطان نبأ عرض المسرحية؛ كانت ردود أفعاله كأنما تلقى خبراً بتحرك الأسطول الروسي داخل المضيق".

بنفس منطق القوّة، لكن في زمن آخر وبشكل مختلف.. أثناء العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956م، أرسلت الخارجية السوفيتية إنذاراً موجهاً إلى كل من بريطانيا وفرنسا "يطالب بوقف العمليات العسكرية فوراً وبانسحاب القوات المعتدية دون إبطاء"، ويشير بصراحة ووضوح إلى "أن لندن وباريس ليستا بعيدتين عن مدى الصواريخ النووية".
وإلى إسرائيل اختلفت الرسالة فكانت بصيغة احتقار وازدراء وحوت تهديداً للوجود الفعلي لدولة إسرائيل.

تمثلت في تقرير كتبه (بوهلن) السفير الأميركي في موسكو قال فيه: "إن السوفييت يعتزمون (تسوية إسرائيل بالأرض) في اليوم التالي".

حينها أضاف السفير المصري (محمد القوني) تحليلاً سريعاً إلى معنى صدور هذه الإنذارات فقال في برقيته: "إن السوفييت يتخذون مواقفهم الحازمة في القضايا المبدئية عامة بعد أن تتوافر لها شروط ثلاثة"، أذكرُ منها أن يُثبت أصحاب أي قضية وطنية صلابتهم في الدفاع عن قضيتهم، وأن يتحملوا مسؤولياتهم قبل أن يطلبوا من الآخرين مساعدتهم، وأن يؤكدوا قدرتهم على الصمود المستقل.

على أثر هذه الإنذارات أعلنت الحكومة البريطانية وبعدها بدقائق الفرنسية قبولهما لوقف إطلاق النار ولسحب قواتهما من مصر.

وفي إسرائيل كان (بن غوريون) رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مشغولاً بإلقاء خطبة النصر في الكنيست إلى أن وصله الإنذار السوفييتي، فما إن رَآه وتأكد من صدق فحواه، ووصلت إلى مجلس الوزراء الإسرائيلي أنباء عن إسقاط طائرة بريطانية فوق الأراضي السورية وساد الظن بأنه لا بد أن تكون هناك محطة رادار بدأ السوفييت في تشغيلها، وبعثت وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى مجلس الوزراء المنعقد بمجموعة برقيات تضيف أن الأتراك أعلنوا أن طائرات سوفييتية تخترق مجالهم الجوي على ارتفاع عالٍ، وأن الروس طلبوا من الحكومة التركية إذناً بدخول خمس قطع بحرية عبر المضايق التركية للبحر الأبيض.

ارتفعت الأصوات في مجلس الوزراء الإسرائيلي وأجهش بعض الوزراء بالبكاء إلى أن أصدر (بن غوريون) قراراً فيه: "أن مجلس الوزراء قرر قبول وقف إطلاق النار وقبول مبدأ الانسحاب من سيناء".

بعد هذا.. يتحقق عندي جانبان إذا لم يعجبك الأول، فجرَّب الثاني..
إننا إذا توحّدنا جميعاً تحت مظلّة واحدة كمظلة السلطنة العثمانية التي كانت لها من المقومات الثقافية والسياسية والاقتصادية التي تجعل مجرد التهديد، يُمحي نصاً مسرحياً في مكان آخر من الوجود، بوجودنا صفاً قوياً مانعاً يملك القول والفعل والعُدَّة بما يرهب عدونا، بإنذار واحد من سلطان قوي.

والثاني: أن نجتمع على قضية واحدة وإن اختلفت مظلات دولنا المتفرقة، شريطة أن نكون صادقين في هذه القضية مستبسلين في الدفاع عنها بشكل يدفعنا للانتحار، حتى نجعل الآخرين يقومون بحمايتنا (وفق أهوائهم ومصالحهم) للأسف، فينصرونا فيها ويمنعون عنا ما نحن أحق بالمنع منهم، ولا يحدث ذلك إلا بالهرولة في دهاليز السياسات الخارجية لكي نضمن منهم ذلك.

لنا الخيار.. ويا لهذا التاريخ الذي لا يُعيدُ نفسه.. وإن كان الكثير يقول عكس ذلك!
التاريخ ساخر عظيم.. وهو لا يعود من تلقاء نفسه.

فنحن من نملك القدرة على إعادته.. وإلا فهو يستمر بالسخرية ممن كانوا يوماً أعظم صفحاته.

وقد يعود يوماً؛ إذا تمسكنا بقيمنا ومبادئنا وديننا الذي كان جلياً في تاريخنا الحافل الذي يحدد لنا طريقاً واضحاً للخلاصِ بالإخلاصِ والعلم والإدارة الواعية لنعود أُمَّةً ناهضة رائدة تفرض احترامها وهيبتها.

وعلى أيّةِ حال.. فقد مرت الأمة بحالات أسوأ مما هي فيه الآن، ونهضت نهضةً عادت بها إلى عزة وقوة وكرامة.

وفي الحقيقة.. السقوط إلى الحضيض ليس بالأمر السيئ، فلا مجال بعده إلا النهوض، والنهوض للأعلى فقط.

فحتى ذلك الحال.. لا يبقى لي إلا أن أستدعي شِعر شوقي وأُحرّفه بقولي: "ألا ليت التاريخُ يعودُ يوماً".

ــــــــــــــــــــــ

* المصادر:

1- السلطان عبد الحميد والرقص مع الذئاب، مصطفى أرمغان، ج 1.
2- ملفات السويس، محمد حسنين هيكل، ج الإنذار السوفييتي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.