المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محمد عبدالحق Headshot

الزومبي.. أبرز إنتاجات ما بعد الحداثة

تم النشر: تم التحديث:

كثر ذكر لفظ (الزومبي) في الفترة الأخيرة في الكثير من الأفلام والمقالات ومواقع التواصل الاجتماعي.

وعند إظهار هذا الزومبي في الأفلام نجده كائناً مشوَّهاً أو مسخ إنسان يسعى في كل الأوقات إلى إشباع رغبة معينة، وهي القضاء على الحياة؛ ليتحول الضحية إلى زومبي جديد يحاول تنفيذ نفس هذه الرغبة.

أما مصير البشر الأسوياء فيكون الهروب إلى مدن ذات أسوار عالية تفصلهم عن باقي الأماكن المأهولة بالزومبي.

ويدور الصراع بين البشر الناجين حول كيفية التعامل مع الزومبي، فريق منهم يقرر إبادة تلك الكائنات، وفريق آخر يحاول علاجهم؛ ليتخلص من هذا المرض أو اللعنة ليعودوا للحياة مرة أخرى.

هذه هي الصورة التي تطرحها الدراما السينمائية في غالبية الأحيان في شأن الزومبي.

ولكن ما هي احتمالية تحوُّل فئة كبيرة من البشر إلى زومبي كما تصور الدراما هذه الحالة؟

إذا نظرنا للزومبي من ناحية التكوين المادي أو البيولوجي فسنجد أن الزومبي هو إنسان.

أي أن احتمالات وجوده المادية متوفرة بشكل كبير جداً، ولكي يتحول البشر إلى زومبي يتبقى عامل واحد وهو فقد الوعي أو تزييفه، سواء كان هذه الوعي الزائف ناتجاً عن مرض ما أو فيروس يحول الإنسان إلى مسخ، أو نتيجة تزييف الوعي وتدمير القاعدة الفكرية والأدبية التي يبنى عليها الوعي الإنساني؛ ليتحول الإنسان إلى مسخ بعد فترة طويلة يتم فيها إحلال رغبة وحشية بدائية في عقله محل مجموعة من الثوابت أو القوانين التي كوّنت وعي الإنسان، وهي التقاليد والأديان والمشاعر الأخلاقية.

وغالباً ما نرى في الأعمال الدرامية التي تناولت فكرة الزومبي أن تلك الحالة تنتج عن عدوى مرضية تنتشر بين الناس ليتحولوا إلى صورة متوحشة، ويدور بعدها صراع بين الأصحاء من البشر والزومبي في صورة أعتقد أن أغلبنا رآها سابقاً في الأعمال السينمائية.

ولكن لم تتم مناقشة الطريقة الأخرى المسببة لتلك الحالة حسب ما رأيت، وهي طريقة تزييف الوعي ونزع الثوابت الفكرية للبشر وإحداث حالة سيولة فكرية لا نهائية ينتج عنها تدمير تلك الثوابت والأساسات لينتج عن ذلك مجتمع فاقد للوعي وللهوية.

ومع هذه الحالة تبرز المصلحة الشخصية وتطغى عند الفرد على تفكيره ووعيه ليتحول إلى آلة همه الأول والأوحد هو إشباع رغباته بأي طريقة ممكنة، وفي ظروف ما، قد يسقط القانون المنظم والرادع في أي مجتمع تسكنه مجموعات من فاقدي الهوية الإنسانية، فيقوم الفرد بفعل كل ما في وسعه لتحقيق مصالحه الشخصية وإشباع رغباته حتى لو أجرم في حق غيره، وفي تلك الحالة فإن الفرد لا يرى في سلب حقوق الغير أي مشكلة شخصية، ولكنه يستغل غياب القانون ويتحول إلى وحش كل همّه هو تحقيق مصالحه الشخصية ولو كان ذلك على حساب أي شيء آخر، فلا قيمة لديه لأي شيء أو معنى لديه إلا مصلحته وشهواته، فيتحول هذا الإنسان إلى زومبي.

ما نراه الآن في مجتمعاتنا قد ينذر بقرب تفشّي هذه الظاهرة بين أعداد كبيرة من البشر.

فبسبب غياب النقد الهادف لن تبرز سلبيات المجتمع لمعالجتها، ولكن سيتم هدم الثوابت القائمة فقط، مع عدم الاهتمام بترسيخ ثوابت أخرى بسبب استمرار النقد الذي لا هدف له، بل هو نقد من أجل إحداث حالة من السيولة في كل المعاني والثوابت المجتمعية التي يقوم عليها ترابط المجتمع وأصالته، كما أن النهم بهاجس التطور المستمر بدون التقيد بالثوابت الأخلاقية سيجعل الإنسان أسير حالة من السعي المتواصل في سبيل تحصيل اللاشيء؛ لأن كل ما سيحصله سيثبت خطأه مستقبلاً كما حدث مع أسلافه العلماء والمفكرين وسيصبح نظريات خاطئة.

وبين هذا وذاك تسقط الثوابت وتبقى السيولة سيدة الموقف؛ ليخرج على البشر مليارات من الزومبي يبحثون عن شهواتهم بدون أي قيود أخلاقية؛ لتفنى الحياة الإنسانية ويحل محلها طور جديد من وعي زائف يحمله مسوخ مستمرون في صراع غير مجدٍ حتى الفناء.

أما مَن يظن أنه سيبقى محصّناً من هذه الحالة فسيبقى أسيراً في حالة مركبة من الخوف والحذر.

وسيكون شغله الشاغل هو حماية نفسه من الأخطار الخارجية الكامنة في التفاصيل، وإن لم يحاول علاج تلك الحالة علاجاً جذرياً فسيتحول إلى زومبي جديد أكثر أناقة، يصارع باقي الزومبي؛ لكي لا يصبح "زومبي"، ولكنه زومبي!

إن لم يكن للشك والنقد هدف، وهو الكشف عن الحقيقة وترسيخ ثوابت منظمة وقوية وأكثر منطقية من سابقاتها، فسوف يتحول إلى نقد من أجل النقد، يقود الإنسان إلى اللاشيء.

وفي رحلته إلى اللاشيء سيمر بمرحلة الزومبي لا محالة.

فهل يتمكن العقلاء من تقنين الشك وما ترتب عليه من سيولة تقود إلى اللاشيء، أم سيبقى الحال كما هو عليه لتنتشر ظاهرة الزومبي وتفنى الإنسانية؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.