المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محمد النجار Headshot

لطائف القيامة "1"

تم النشر: تم التحديث:

تعاف النفس دوماً ورود ماء كثر التردد عليه، والخوض فيه، وعلى الرغم من ذلك أجدني مشدوداً للحديث عن لطائف القيامة، وأحسبك أعملت عقلك في العنوان، محاولاً حصر الموضوع في رأسك، والإحاطة به، والوصول إلى غرض الكاتب دون حاجة لقراءة السطور.


ولعل العنوان في شقّه الأول حاز منك غالب الفكر على اعتبار وضوح شقه الثاني، فصرت تسأل: وهل للقيامة من لطائف؟ اللهم إلا لقاء الأحبة والنصفة للمظلوم!.. ثم عدت تسأل في استهجان عن وجاهة هذا التركيب اللغوي الذي لم يسبق إليه قبل (لطائف القيامة).

وقبل أن تختلط الأمور، ويورثك العنوان زهادة في السطور، أقول مبتسماً: من مأمنه يؤتى الحذِر.. وكذا الفتى الحصيف إذا تعجل.. فوضع الشغل في غير موضعه.

دعك من اللطائف.. ليس الحديث عن قيامة ينتصف الله فيها للمظلوم، وإنما عن قيامة ينتصف المظلوم فيها بيده من ظالمه.. قيامة أرطغرل، تلك التي قامت لها الدنيا قيامة انبهار وادكار ثم أبت القعود.

ولست معنياً في هذا المقام بالتناول المحيط للعمل، ولن تجدني في موقف المسبحين بحمده، ولن تجدني جاهداً نفسي في إثارة الغبار من حوله، أو نفضه، لكنني سأكتفي بالإشارة إلى جمع من المعاني والقيم هي بمثابة عناصر قوة لمن صار قوياً، ومن ثم فهي لزام على من أراد التقوّي.. وقد سميتها باللطائف؛ لأنها تتلطف في غزو القلوب والقرار بها دون صدام أو عناء، فالمرء بعدها ليس كالمرء قبلها.

وأول ما يعرض لعيني من اللطائف الغازية تلك الأسرة المتينة الراسخة الدعائم، التي لا تأخذ الأيام فيها من قدر كبيرها، بل يغلو كلما كبرت سنه أكثر، فكأنما هو شجرة كلما طال عمرها امتد ظلها.. سليمان شاه.. لم يخالف قوله فعله، أي وضاءة في ذلك الوجه! أي فصل في قوله! وأي صدر هذا الذي يجد فيه الجميع المرتمى! كيف أفسح لهم وقد امتلأ بالهموم!.. ولو قسته إلى أب من هذا الزمان لم يتصالح قوله وفعله يوماً.. ويصف الغثاء في حاله.. والهذر في حديثه أكثر من حديثه نفسه.. ويقضي آخر عمره مهمشاً، لأدركت كم ينقصنا للقيام.

ثم الأم المربية.. وما أدراك ما هي.. نهر من العاطفة.. وسد من التعقل والشموخ ينساب منه الماء بقدر.. فما أكثر الماء! وما أمتن السد وأحكمه! ولو اختل أمره لدمر الماء غرس العمر.. وكم من أم قتلت بمائها من تحب.

ثم هي أيضاً مرجع للقيم، وميزان للثوابت لم تضرب كفتيه الشدائد والنوازل فأخطأ الحساب.

في مائها وميزانها نصيب لكل ولد دون جور يستوي في ذلك ولدها وابن زوجها.. يدها دائماً في ظهر زوجها تارةً تمسح على الدمامل والآلام، وتارةً تدفعه بعزمة إلى الأمام، لم تقصر حياتها على ولد قد يسافر وزوج قد يموت، بل علقتها بغاية فيها السعي دون النوال، فجعلت من نفسها بذلك شابة لا تشيب وشمساً لا تغيب.

ثم الأخ الوالد والأخ الابن، فهذا لذاك وذاك لهذا، مسؤولية واحتواء يقابلها إكبار وتقدير، مكان في القلب لا يضيق ليتسع نصيب زوج أو ولد.. ومجتمع كهذا لم يكتفِ بتعظيم أخوة النسب، بل ابتكر أخوة الدم وأخوة المحاربين - ما أوثق عراه، وما أثبته إذا استقبل العواصف، وما أوهن سواه إذا هبت نسائم.

ثم الزوج الراسي بعيد الغور، الذي يجعل من رضاه غاية لامرأته ومن قربه جنة لها، تشرق شمسها إذا تبسم، عصيّ الظهر على الانحناء بله الركوب، يرى في المرأة فوق ما يراه أهل العلل في أيامنا المباركة هذه، وإذا حاولت قياسه إلى زوج تقدمه الدراما العربية كمصطفى شعبان مثلاً لدفعت ثمناً غالياً، أقله انفجار الكبد.

وفيها المرأة الداعمة للرجل، التي ترى أعز مكان لها تحت قدم زوجها، فهي تعلم بعقلها الراجح أن قلب الرجل ينال من تحت قدمه، فكانت له أرضاً ليكون لها سماء، فهي الأساس لكل شامخ، وبها يعتدل الميزان، لم تسمع بالتناطح والعناد، ولا ترى لنفسها وجوداً في البعد عنه، طريقها طريقه، وعزها عزه، وروحها فداء لدربه، ثم هي أمينة على ولده.

وفيها الابن الذي يعرف لأبيه حقه وفضله، ويرى نفسه بضعة منه، يبني على بنائه لتمتد السلسلة فيعتضد بها وتعتضد به، وكذلك يعرف للأجداد حقهم وفضلهم، فيمضي ما قضاه الأولون، ولا يرى لنفسه عذراً أن يحيد، وعلى ضوء من هداهم يستقبل الجديد، فكأنما هو بذلك ينفخ فيهم الروح، وكأنما هم بذلك أحياء في القبور يرقبون ما بلغ المسير ويحفظونه من الانحراف.. إذًا فالطريق واضحة يعرف الابن مكانه منها ودوره فيها.. سلسلة تتجذر في الأرض وتورق في السماء.. هكذا قدَّم العمل صورة الابن وأبيه، لا صراعاً بين الأجيال وفجوة استعصت على الرتق.. ولا جلباباً من الأغلال حقّ التمرد على العيش فيه.

تلك أسرة تقتسم الطعام فكانت للأمة من ورائها قيام.. ولبقية اللطائف حديث قريب.. فارتقب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.