المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ممدوح علي Headshot

فمَن مِنا لم يسقُط من قبل؟

تم النشر: تم التحديث:

هذه سُنة الحياة، بُنيت على مُنحنيات تعلو وتنخفض، ثم تنخفض؛ لتعلو مُجدداً حتى يستقيم المُنحنى فلا ينهض إلى الأبد -فالسقوط أمر لا ريب فيه- فلولا سُقوطك في الصِغر ما مشيت على قدميك في الكِبر.

هذا صاحبنا أُلقى في الطريق، ولم يكن له حول ولا به قُوة من ذلك.
مر الكثير بجانب المُلقى على الأرض وتباينت ردود الفعل من شخص إلى آخر، ذاك شخص لا يعرفون عنه شيئاً قط سوى أنه سقط، وأنه كان في يوم من الأيام يمضي قُدماً في طريقه الوعر، مروا جميعهم ولاحظوا سقوطه على الأرض، وكان يبدو عليه أنه لم يسقُط سقوطاً بسيطاً، بل كشيء سقط من السماء، فلم يجد ما يستقبله فاحتضنته تلك الأرض.

مر الجميع بجواره، بعضهم يُبلغونه أسفهم على سقوطه المدوي، وظلوا يخبرونه بأنه سيكون على ما يرام، ووقف كثرة من الناس يضحكون ويشمتون على سقوطه، ولم يجدوا رواية إلا أن "فلان قد سقط كم كان ضعيفاً!"، ومر قِلة يرجون المُساعدة حقاً فيمسكون بيده، ولكن يده لا تستجيب لدعواتهم، فيتركونه وفي قلبهم الحزن، ويدعون الله له قياماً وقعوداً أن يُنزل عليه من رحماته، فيعلمون ولو شئياً صغيراً مما أصابه قبل أن يسقُط.

تتوالى الساعات والأيام، وما سبق لم يتغير كثيراً، فما زال بطل قصتنا مُلقى على الأرض يمر بجواره من مروا من قبل، قليلهم لا يزال قليلاً بل يقلون بمرور الأيام، كثيرهم في زيادة يوماً تلو الآخر وتعلو أصواتهم التي تألمه، بعضهم نفد صبره عن مواساته وإخباره بأن كل شيء سيكون على ما يرام، واستمر قليل بالدعاء له، وما لبث الجميع وقتاً طويلاً وقد نفد صبرهم، وضعفت قوتهم، وأدركوا أنه ما سقط إلا من عثرات الطريق.

بطلنا المُلقى على الأرض، وأقصد أن أصفه بالبطل لما كان، وما يكون، ولما سيكون، فكان قد واجه وحارب كثيراً مما لم يُلقوه ولم يستسلم بسهولة، بل كانت دماؤه تسيل، وجروحه تصعقه ألماً، ورفض أن يُلقي بنفسه في الأرض عمداً، بل ألقت به بلاياه في الأرض، فما كان مشرفاً له فكان بطلاً.

كانت المفاجأة فيما يكون فهو لم يمت بعد، بل إنه مُلقى به على الأرض، يسمع وبحرص كل ما قيل على مدار سقوطه من الكثيرين والقليلين وبعضهم.

في الحقيقة لم يكن مُنتظراً لأي منهم، ولم يهتم لما قيل، فهو كان يُحارب وحده، حتى إن القليلين لم يكونوا بجانبه إلا عندما سقط، وما لبثوا وقتاً طويلاً حتى ثاروا عليه، فهو يعوق طريقهم، كما تظُن عقولهم.

ولكنه كان على الأرض في كامل وعيه، يُفكر فيما حل به، ويُفكر فيما سيكون، فقط هو لا يريد أن يسقط سريعاً مُجدداً، فتلك السقطات أهلكت كثيرين من قبل.

فلو كنتُم من الكثيرين فدعواتكم لعباد الله المُتعبين خير من أن تأتوا بأحمال من سواد قلوبكم تضعوها على من أسقطتهم بلاياهم، فهم خير منكم كثيراً،
ولو كنتم من القليلين، فقط عليكم أن تُدركوا أنكم ما زال بين أيديكم فرصة لكثير من الأحباب، ألا ينتهي بهم المطاف في سقوط آخر، قد يكون الأخير.

وفيما سيكون وحتى تطمئن قلوب القليلين هذه المرة، فذاك البطل لا ينتظر سِوى أن يستعيد قوته مرة أخرى؛ لينهض ويستمر في القتال، فمن منا لم يسقط من قبل؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.