المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ملوك Headshot

ميّ فتيحة المغربية التي أحرقت نفسها

تم النشر: تم التحديث:

لقد أدركنا وحفظنا عن ظهر قلب وعلمنا وما جهلنا أن حرق الإنسان لذاته يعد انتحاراً، وتأكدنا على لسان المشايخ والعلماء والدعاة والوعاظ أن الانتحار يُعد فعلاً محرماً عند الله - عزوجل - وجريمة بحق المنتحر نفسه.

وردّدنا بعد السماع والحفظ والتأكد والتيقن أنه لا يجوز لإنسان مهما استبدت به ظلمات اليأس وانقطعت عنده أنوار الأمل في المستقبل أن يُقدم على الانتحار بأي وسيلة كانت، لكن ـ وليس هذا اعتراضاً على حكم الله الغفور الرحيم ـ ما لم نسمعه هنا في المغرب بالذات هو كشف الأسباب التي دفعت بعض المنتحرين إلى الانتحار إما حرقاً، وإما بباقي أوجه الانتحار الأخرى، التي إن أحصيناها فلا نستطيع لها عداً وحصراً.

نعم لقد سمعنا من دعاةٍ على منابر الجمعة وعلى شاشات التلفزيون أن للبوعزيزي نصيباً من الإثم في كل منتحر ينتحر حرقاً، وأن مَنْ انتحروا مثواهم النار وبئس المصير، وما سمعنا أن مسؤولاً عُزل من منصبه لأنه دفع مواطناً أومواطنة للانتحار بعدما سلبه حقه في العيش بأمن وأمان، وما سمعنا أن مسؤولاً ما قُدم للمحاكمة لأنه استغل نفوذه وسلطته في البطش بالمواطنين والزجّ بهم في غيابات اليأس القاتل والإحباط المميت.

مناسبة هذا الكلام ما وقع لمواطنة مغربية تُدعى "مي فتيحة" أقدم عناصر من الحرس الترابي بقيادة قائد المقاطعة السادسة على منعها من بيع "البغرير" ـ وهو عبارة عن فطائر تعد بالطحين والماء ـ بسوق شعبي بمدينة فاس، وأمام هذا الوضع الذي تكرر غير ما مرة، قامت بعدما يئست من إنصافها أمام من يجبرها على تجرّع سم الاذلال والاحتقار بسكب مادة حارقة على جسمها وأشعلت النار في جسدها، ليتم نقلها على وجه السرعة إلى قسم المستعجلات بالمستشفى الجهوي الإدريسي، وهناك لفظت أنفاسها الأخيرة بعد يومين من المعاناة بقسم العناية المركزة.

"مي فتيحة" نموذج واحد من نماذج عدة لمواطنات ينتحرن كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة، فمنهن من انتحرت حرقاً، ومنهن من انتحرت شنقاً، ومنهن من انتحرت غرقاً، ومنهن من انتحرت بجرعة مخدرات زائدة، ومنهن من انتحرت بتجرعها لسم قاتل، ومنهن من انتحرت ببراثن الدعارة وأوكارها، ومنهن من انتحرت على نوادي الخمور والقمار والعلب الليلية، ومنهن من انتحرت على عتبات التمرد على الفقر بدول غربية وأخرى خليجية، والسبب واحد ظلم من ورائه ظلم يجر ظلمات من الظلم بعضها فوق بعض.

نعم الانتحار يحدث في كل بلاد العالم، وهو ظاهرة لا تخلو منها أعتى الديمقراطيات العالمية وأنقاها، لكن لا يحدث في تلك البلدان باطل كالذي نراه كل يوم في بلادنا، ولا يُشاهد في تلك الدول ظلم كالذي يسلط على رقاب المواطنين آناء الليل وأطراف النهار، ولا يحدث فيها صمت على مثل ما وقع لـ"مي فتيحة" وأخواتها من المواطنات، ولا استهتار بما يقع لأمثالها في دولة يدعي مسؤولوها وممسكو القرار فيها أنها دولة حق وقانون.

مي فتيحة لم تنتحر
مي فتيحة - بلغة المغاربة - تحكرات.

*"تحكرات"معناها تم ظلمها ومعاملتها دون تقدير

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.