المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

تحالف القمع والفساد = 600 مليار!

تم النشر: تم التحديث:

ليس مفاجئًا أن يكون حجم الفساد في 30 شهرًا هو مبلغ 600 مليار جنيه.. بما يعادل حوالي 75 مليار دولار.. فمصر كانت تسدد سنويا فاتورة فساد لا تقل عن 10 إلى 15 مليار دولار خلال العقدين الأخيرين من عصر مبارك المبارك..
لكن المفاجأة التي أصابت البعض جاءت من أنها المرة الأولى التي يُعلن فيها الجهاز المركزي للمحاسبات، وهو المستشار المحاسبي للحكومة، مثل هذا المبلغ.

والحقيقة أن مصر مرت خلال الربع قرن الماضي، وبالتحديد ابتداءً من صدور قانون الاستثمار قبل الحالي وقانون قطاع الأعمال العام في 1989، بعدة مراحل مهمة، بينما مثّل الانقلاب مرحلة متميزة في تطور الفساد.

ففي البدء طال الفساد الأصول الصناعية والتجارية التي كان يضمها القطاع العام المصري، فجرى تسييلها بالبيع بطريقة أقل ما يُقال عنها إنها تفريط في مصلحة البلاد العليا وحقوق الشعب. فقد ورث الشعب ملكية كافة الأصول الاقتصادية التي أقامها مصريون عباقرة ومكافحون استطاعوا أن يبنوا صروحا في ظل الاحتلال الإنجليزي، وجرى تأميمها لاحقا في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، ثم أضافت إليها الدولة المصرية ما جادت به عقول حكومات الخمسينيات والستينيات.

وفجأة تفتق ذهن حكومات مبارك عن فكرة توسيع قاعدة الملكية بأن يُشرك القطاع الخاص في ملكية القطاع العام -دون أن يكون بمصر قطاع خاص حقيقي- لكنها تحولت بقدرة قادر إلى عملية الخصخصة كاملة دون رحمة، بررها نظام مبارك بأنها بيع للأصول الخاسرة، ثم انتقل سريعا لبيع الناجحة، بل والإنفاق على الخاسرة لتحسين أداءها وبالتالي بيعها، وفي حالات كثيرة بأقل من قيمة ما أُنفق عليها.

مجرد نظرة عابرة تكشف أن غالبية رجال الأعمال الحاليين هم من أُثروا في فترة التسعينيات وبعدها، وهم أبناء لعملية الخصخصة وما تبعها، وبالتالي فهم مستفيدون من تسييل الأصول الاقتصادية للدولة المصرية، بينما في المقابل لم يستفد شعبنا شيئًا سوى ضياع تلك الأصول.

وفي المرحلة الثانية، بعدما تقلصت الأصول الاقتصادية ولم تعد عوائد البيع وما يُستخلص منها من عمولات كافية لسداد جشع طبقة الفساد، ابتكر نظام الحكم فكرة بيع الديون المصرية، والتي تُمثل بحق نموذجًا لكيفية إدارة دولة بطريقة إدارة السنديك الفاسد لأموال التفليسة دون أن يستطيع المفلس صاحب المال أن يعترض أو يشتكي.

وفي المرحلة الثالثة بدأ تدوير وتسييل الأصول السيادية ذاتها من أراضٍ وشواطئ وأجواء، فانتقلت الدولة المصرية من الخصخصة إلى التخصيص، وهو مصطلح يُعبر عن نقل ملكية ملايين الأفدنة من أراضي الدولة لمستثمرين أغلبهم محليون، وبعضهم أجانب مشاركون لمحليين؛ دون أن يوفر ذلك للدولة المصرية مداخيل حقيقية باعتبار أن الأراضي جرى تخصيصها مجانا تقريبا حيث لم يتجاوز سعر المتر دولارًا واحدًا، بينما يُمنح المستثمر مساحاتٍ لا تقل عن المخصصة له على سبيل الإيجار بعدة سنتات للمتر.

وفي المقابل انهارت القيم الحضارية والعقارية للدولة، فلم يعد ممكنًا لأبناء الشعب أن تُطالع أعينهم أو تمس أرجلهم مياه البحر المتوسط أو الأحمر لمسافات تصل إلى مئات الكيلومترات، لوجود ساتر خرساني بأشكال لا نسق فيها ولا جمال إلا من رحم ربي.

ويدعي بعض رجال الأعمال أنهم حوّلوا الصحراء إلى قرى سياحية وفنادق، دون أن يُدركوا، أو ربما أدركوا، أنهم أضاعوا كل القيم الجمالية والخصوصية للشواطئ والصحاري المصرية، وهو ما ينعكس اقتصاديًّا في تدمير القيمة العقارية للبلاد؛ لأنها تتحول بالتدريج إلى غابات من الأسمنت التي تحجب، بل تقتل الطبيعة.

غير أن الأهم، فضلا عن ضياع قيمة تلك الثروة العقارية الهائلة على الدولة، أنها كلفت الدولة والشعب نفقات منظورة هائلة مقابل مد الخدمات المدعمة من طاقة ومياه شرب وصرف صحي لهذه المناطق دون عائد مجزٍ، ونفقات غير منظورة أهمها استنفاد مخزون المياه الجوفية لأغراض الترفيه والاستحمام ورعاية حدائق تلك القرى، في وقت يُصارع فيه المصريون لزيادة هذا المخزون.. وربما أكبر مثل لتدمير المخزون الجوفي للمياه ما جرى للمنطقة الممتدة بمحازاة فرع رشيد وحول طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي مرورا بمنطقة الخطاطبة ومدينة السادات ووادي النطرون، ومنطقة الساحل الشمالي.

أما المرحلة الرابعة فتمثلت في عمليات الاقتراض الواسعة. فالاقتراض في حد ذاته هو وسيلة لتمويل المشروعات، غير أنه تحول ضمن إدارة منظومة الفساد في مصر إلى تجارة واستثمار رائج. فمن ناحية أصبحت عمليات الخصخصة أو التخصيص مرتبطة بالاقتراض حيث يقترض المستثمر من البنك المصري لدفع ثمن ما يشتريه من الحكومة المصرية أو لإقامة المشروع الذي التزم بإقامته على الأرض التي خُصصت له؛ وبالتالي فإن الحصول على التخصيص مثلا تحول إلى طريقة للحصول على قروض هائلة يجري نقلها للخارج واستخدام الجزء الأقل في عمل مشروع تقل تكلفته كثيرا عما في الدراسات المقدمة لتبرير القروض، وهو ما يعبر عنه تعثر آلاف المشروعات رغم حصول أصحابها على قروض بأرقام مبالغ فيها.

وأصبحت التشريعات وسيلة لحصر إيداعات المصريين عبر البنوك، ثم لتحويل وتجريف السيولة المتحصلة إلى قروض بالمليارات لمشروعات قيل للشعب إن أموالها ستأتي من الخارج؛ باعتبار أن قوانين الاستثمار وضماناته ومبررات الاقتصاد المفتوح تقوم على تشجيع تدفق الأموال من الخارج للداخل، غير أن ما حصل في مصر خلال الربع قرن السابق مختلف تماما، فقد تسربت أموال المصريين بعشرات المليارات للخارج.

كانت ثورة يناير تهديدا لعمليات النهب المنظم والتجريف الممنهج لثروات وأصول الدولة المصرية، فيمكن أن نتحدث عن توقف مؤقت لعمليات التجريف والنهب لمدة عامين ونصف، لكنها عادت بقوة أكبر ونهم أبشع بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، فقد استعاد النظام أدواته القديمة ذاتها، وهي شبكة الفساد وأدوات قمعه.

غير أن اللافت في تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات هو زيادة مستوى الفساد لحوالي الضعف. ففي حين كشف تقرير الشفافية الدولي، الصادر في 2011 عن الفترة من 2005 إلى 2010 أن حجم الفساد بلغ 70 مليار دولار بزيادة عن الفترة المماثلة السابقة والتي رصدت خسارة عشرة مليارات سنوية بمعدل خمسين مليار كل خمس سنوات؛ فإن خسارة 75 مليار دولار في سنتين ونصف هما مدة الانقلاب يعني أن حجم الفساد تضاعف.

التفسير الوحيد لذلك هو أن شبكة الفساد العائدة بعد الانقلاب اصطحبت عشرات الفاسدين الجدد الذين كانوا شاهدين لفساد السلطة لكنهم غير مستفدين منها بالقدر الذي يرونه حقا لهم، فلما اعتلوا السلطة أرادوا تعويض ما فاتهم، بالإضافة إلى التزام السلطة تسديد فواتير لرجال الأعمال الذين ساندوها في الانقلاب. لكن الأهم من ذلك، فإن ما تبع الانقلاب من مجازر طالت الآلاف وعمليات قمع واسعة أسكتت كل صوت وأخرست كل نقد، جعلت السلطة وأدواتها القمعية والفاسدة طليقة اليد في الإدارة المالية في البلاد.
والحكمة الوحيدة المستمدة من ذلك أن شعبًا محكومًا بالقمع لا يمكنه أن يُحافظ على أمواله ومقدراته إلا بانتزاع حريته أولا؛ لأن ما يعانيه ليس إلا تحالفًا أبديًّا بين القمع والفساد..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.