المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

التدين السهل والتعلمن الضحل

تم النشر: تم التحديث:

لم يكن حديث النبي صلى الله عليه وسلم "ستتبعون سُنن الذين من قبلكلم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى إذا دخلوا جُحر ضب دخلتموه" مجرد استشراف للغيب، وإنما إدراك لطبائع الأمم وصفات الشعوب التي تميل إلى التدين الطقسي والشعائري والإجرائي، فيُرضيها الشعور بإنها متدينة بملبسها أو بشكلها أو بأداء شعيرة، بينما تستثقل التدين الذي يستدعي محاسن الأخلاق وقيم التعايش والتضامن والتواصل والدفاع عن الحقوق والتضحية لأجل الحريات ولو كانت حريات الآخر وحقوقه. فترى الرجل يخالط الناس بخلق سئ وربما سرق وأفسد وأكل حقوق العباد، لكنه يحج فيشعر بالرضى عن نفسه، بل ولو كان الحج في ذاته مسروقا ومغتصبا بطريق فساد..
وقع اليهود في ذلك، فحوّلوا دينهم إلى إجراءات مرعية وشعائر مقدسة وتوقيتات محرمة وملابس وأشكال فارغة من المعاني وخاوية المباني، فأرسل الله إليهم المسيح عليه السلام برسالة خالصة من الأشكال وواضعة الشعائر والطقوس في مكانها الطبيعي باعتبارها وسائل لا تُغني عن المبادئ ولا عن القيم، وأن التضحية وقت الموازنة إنما يكون بالطقوس لحساب القيم والأشكال لحساب الجوهر؛ لكنهم فضلوا طقوسهم على القيم وقدموا أولويات ملبسهم ومطعمهم على معاني الأخوة الإنسانية والتضامن الآدمي.
وعندما نُراجع قائمة اهتمامات كثير من المتدينين في بلادنا، فإنها لا تخرج عن نزاع حول ملبس أو خلاف بشأن شعيرة أو حرب لاختلاف مذهب أو مقتلة حول صورة أو إجراء.. بينما مقاصد الدين الكبرى التي استأهلت أن يُرسل الله الرسل وأن يتحمل المؤمنون العذابات ويُضحون بأرواحهم غائبة. فالحديث عن أولوية ملبس أو مظهر مقدمة على حديث الحرية، والخلاف على حرمة لعاب كلب أو أكل طعام كتابي قد تستتبع خصومة بين فريقين راضيين بضياع الكرامة وتبخر العدالة، ولا يواجهون الفساد إلا بدعاء ولا الظلم إلا بتماهٍ معه.
وفي المقابل فإن فريق العلمانية في بلادنا يفجعك، فلا هو أدرك معنى التدين المطهر عن الأشكال ولا فهم حقيقة الشعائر التي لا تُعظم لذاتها وإنما بما تؤدي إليه من معاني وبما تحث عليه من قيم؛ ولا هو أدرك قيم العلمانية الغربية التي تُقدم الحرية الفردية وتُعظم قيمة احترام الخلاف وتُعلى من قدر اختيار الشعب وترفض أن تكون مؤسسة دينية أو نخبوية وصية على تفكير الناس أو مسلكهم أو طريقتهم في الحياة أو اختيارهم الحياتي أو رأيهم السياسي؛ ولم يكلف نفسه بأن يقرأ لفولتير ليدرك أن المسيح إنما جاء لشعب الرب وليس لفضلاء الكنيسة وليعرف أن الرسالات الدينية جات لتُحرر لا لتقيد.
لدينا علمانية تضع نفسها موضع المؤسسة الكنسية في أوربا القروسطية ، فترغب في فرض رؤاها على الشعب ومعالجته مما تعتقد أنه تصورات سحرية وأوهام ميتافيزيقية ، وتقبل بمساندة استبداد ظاهر وفساد بيّن لمجرد أن تقمع مخالفيها في الرأي. وتحمل كرها غير مفسر لمن تضع على رأسها حجابا أو لم يحمل في وجهه لحية أو لمن يبدأ كلامه ببسم الله أو لمن يستشهد في كلامه بآية قرآنية؛ مهدرة حرية الرأي وقيمة الاختلاف.
الأُول متدينون وفقا لمعنى شخصي ونفسي لا يمت بالتدين بصلة، وإنما يهدف لإرضاء النفس لا لإرضاء الرب وتعظيم الشعور بأنهم قريبون لمعبود يتوهمون أنه يتخلى عن القيم والمقاصد ويُهدر حقوق ومصالح عباده لمجرد أن الفاسد حج إليه أو لأن الساكت عن قتل الناس التحي وتحدث بالقاف والضاد وطبع في رأسه علامة صلاة مستديمة وسجود خاشع.
لم يُرسل الله الرسل ويحث عباده على الصبر والتضحية في مواجهة الظلم والأذى لرفعة شعيرة أو لفرض ملبس أو لتوحيد الناس في شكل واحد، إنما لإجل تكريس قيمٍ أهما إعلاء حقوق الناس وعلى رأسها حق الحياة، فمن يقتل إنسانا فكأنما قتل الناس جميعا من لدن آدم إلى يوم إزهاق روح الضحية، ومن يسرق مليارا من خزينة شعب يُكابد المر في حياته فكأنما سرق طعام كل فقير وسلب مال كل يتيم. ومن حاول فرض رأيه على غيره فإنما يهدر حق الإنسان في الاختيار الذي تأسس عليه معنى الاختبار ومناط المسئولية أمام الله؛ ومن سكت عن ذلك فإنما هو شيطان أخرس شارك في كل ذلك.
أما أولئك الذين يلتحفون بالعلمانية ثوبا دون أن يتشربوا المعاني التي ضحى ملايين البشر في أوربا للوصول إليها، فهم عالة على شعوبهم وأداة بيد جلاديهم وراقصون على صرخات المعذبين في السجون والمقتولين في الميادين والجائعين في دورهم. فبينما ضحت النخب الأوربية في مطلع العصر الحديث في مواجهتها للإقطاع والملكية والكنيسة لتحرير شعوبهم من الرأي الواحد ومن القمع ومن احتكار الدين والدنيا، فعلمانيونا لا يملكون شجاعة التضحية لأي قيمة ولا يجرأون على مواجهة جبار أو فاسد، إنما يجأرون ليل نهار لأن مصرية ارتدت نقابا أو فتيات مصر يضعن حجابا أو لأن ابن فلاح متدين اختاره الشعب رئيس دولة.
بينما يبتلعون ألسنتهم ويأكلون شعاراتهم عندما يطلّ على البلاد ظالم مستبد وعندما يجوع شعب بفقرائه ومستوريه لأن أموال الناس لا رقيب عليها ولا محاسب على تبديدها، وعندما تستند السلطة المستبدة في استبداها على مؤسستين دينيتين تريد لهما الدولة أن يحتكرا فهم الدين ويحتكرا مفاتيج الجنة ويحتكرا طريق الخلاص. وكأنهم علمانيون ضد الحرية لتبرير انتهاك حقوق الناس وإهدار حرياتهم واستعمال الدين لترويض الشعب بيد الاستبداد وبيد مؤسسات دينية رسمية !!
لا أرى سوى هذا الجيل الذي اجتمع في ميدان التحرير واجتمعت قلوبه على معاني "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية" إلا مدركا للمعنى الصحيح للتدين وللصفات الحقيقية للعلمانية وقد عبر عن إدراكه وعلو وعيه في مواقف كثيرة وعليه أن يُعبر عنها في مواقف قادمة، دون أن يتبع سُنن التدين الخامل أو المتحامل أو الخادم للاستبداد أو أن يقع في شرك العلمانية العدائية لكل من يختلف عنها خصوصا لأي مظاهر تدين يُعبر عنها شعبها والمبررة للتدين المستكين والمؤازرة للمؤسسات الدينية المنفصلة عن الشعب وتطلعاته.
لم تكن ثورة يناير مجرد انتفاض في مواجهة الظلم.. وإنما انتفاض أيضا في مواجهة خلط الأوراق واحتكار العناوين واستخدام الفكر لتفريغه من القيم العظمى التي لا يمكن لشعب أن يحيا ويرتقي إلا بأن يتشربها ويكافح لأجل إعلائها.. ولذا اعتبرنا دائما أن قيم يناير هى سفينة نجاة لشعب يستحق أن ينجو وقد حاطته المخاطر..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.