المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

غرق مركب كغرق وطن

تم النشر: تم التحديث:

عشرات من شبابنا غرقوا وهم يهربون من بلدهم طلباً لحياة أفضل وفرص عمل أكرم على الشاطئ الآخر للمتوسط.

لم تكن جريمة عدم المساهمة الفعالة في الإنقاذ هي الجرم الوحيد، بل ربما كانت أهون الجرائم. ففي بلد يهرب أبناؤه بحثاً عن فرص عمل، فإن السلطة لا تملك لا الرؤية ولا الملكات لتوفير حتى سدس ما هو مطلوب من فرص عمل. ليس لأنها سلطة فاشلة فقط، لكن الأهم أنها سلطة فاسدة وغير إنسانية.

وإذا ركزنا قليلاً على سوق العمل باعتباره السبب المباشر في دفع أبنائنا لركوب قوارب الموت، فإننا سنكتشف أننا أمام مافيا تُدير منطقة نفوذ وليس سلطة تدبر شؤون دولة.

فأولاً، لا تملك هذه السلطة إلا الاستمرار في سياسات مبارك بالادعاء بأن موظفي الدولة والعمالة في قطاع الأعمال العام التي لا تزيد على 7 ملايين موظف وعامل هي عمالة زائدة، وبذا تبني رؤيتها الخائبة على التخلص من العمالة لا توفير فرص عمل؛ لأنها ببساطة لا تجد من عناصر الكلفة في الموازنة العامة أضعف من الموظفين والعمال للتلاعب بهم والانتقاص من حقوقهم. بينما لا تجرؤ أن تفكر في محاربة الفساد لتوفير كلفته؛ لأنها هي من مكونات هذا الفساد، ولا يمكن أن تكافح نفسها.

وثانياً، تجتهد المؤسسة العسكرية في الاستحواذ على كل المجالات الاقتصادية الربحية، وهو ما لا يصب زيادة في القدرة الاقتصادية إنما زيادة في عجزها، لأن المؤسسة العسكرية لا تزاحم القطاع الخاص فقط وإنما القطاع العام قبله، وفي الحد الأدنى تذهب فرص العمل سواء لشباب يعمل بالسخرة أداءً لخدمته العامة، فلا يستفيد شيئاً لأنه لا يُعامل باعتباره عاملاً بأجر وإنما باعتباره مجنداً؛ أو تذهب لشركات أجنبية تقوم المؤسسة العسكرية بإسناد العمل إليها من الباطن، وبالتالي تضيق مساحة المنافسة أمام المشروع الوطني، فإما ينكمش فيستغني عن بعض العمالة أو يغلق أبوابه ليتشرد الجميع.

وثالثاً، فإن السلطة غارقة حتى أذنيها في الفساد، حتى إن تقريراً متواضعاً وحذِراً عن "تكاليف الفساد" أفزعها للحد الذي أدارت لأجله معركة، اعتبرت أنها حققت نصراً مؤزراً فيها بإقصاء رئيس إحدى الأجهزة الرقابية.

ورابعاً، لأن خلق فرص العمل يحتاج لزيادة إنفاق الدولة في مجالات الاستثمار، وهو الأمر المستحيل مع المستوى المرتفع لكلفة الحكم والقمع والذي يقتضي إنفاقاً في النواحي الأمنية تكفي لإعلان إفلاس قارة كاملة.

وخامساً، لأن توسيع فرص القطاع الخاص وفقاً لقواعد حاكمة تُلزمه بخلق فرص عمل مُعتبرة، يقتضي أجواء تشجع على الاستثمار وتقلل المخاطر لا يُمكن لمثل السلطة القائمة أن توفرها، سواء لقلة حيلتها أو لانغماسها في الفساد أو لعلاقاتها الثأرية مع فئات مهمة من المجتمع.

المحصلة أنه لن يحدث أدنى تحسن في الأداء الاقتصادي في وجود تلك السلطة بل سيزداد الأمر سوءاً، لأن عناصر السوء هي المنتعشة على أرضية أدائها في كل المناحي. وبالتالي فإن قوارب الهجرة غير الشرعية ستستمر بل وستزداد، ولن يوقفها خفر سواحل أو كوارث تذهب بفلذات أكباد الوطن، لسبب بسيط هو أن كلفة البقاء داخل الوطن أصبحت مماثلة أو ربما أعلى من كلفة الهروب منه.

تسمح لنا المؤشرات البسيطة بإدراك حجم المطلوب وبكشف تفاهة أداء السلطة في المقابل، ففي مقابل حوالي 600 ألف فرصة يجب توفيرها سنوياً، تقف السلطة عاجزة عن توفير أقل من 9000 فرصة عمل لحملة الدكتوراه والماجستير. وبالتالي فإن من يتوقع من تلك السلطة انفراجاً اقتصادياً في عام الرخاء الموعود 2063، كمن ينتظر أن يجد الماء في وديان كوكب مارس.

لا يُمكن فصل الأمور عن بعضها، فالسياسي مختلط حتى العظم بالاقتصادي، والإنساني يحمل سمات العجز الذي تُعاني منه مصر بسب أزمتها المستمرة منذ عقود. والذي عجز عن حماية الأرواح في رابعة والنهضة، لن يحميها على شواطئ رشيد وكفر الشيخ.

ولن تتوقف مراكب الهجرة غير الشرعية بالتمني، وإنما ستتوقف بعد رحيل آخر جنرال عن السلطة السياسية، وتسلم المدنيين لمهمة إدارة السياسة والاقتصاد تحت رقابة شعبية صارمة، فعند هذه اللحظة ستتحول عملية إدارة السلطة إلى وظيفة يتحمل من يشغلها مهمة توفير فرص العمل لبقية أبناء الشعب، أما أصحاب القبعات الكاكي فهم لا يقبلون المسائلة ولا يحتملون النقد ولا يعرفون المرونة في إدارة المؤسسات ولا يملكون موهبة التراجع، فالتراجع في العسكرية جريمة، بينما في السياسة يمكن أن يكون حنكة.

وإذا كان يناير قد فتح لنا الباب لاستعادة التوازن المطلوب للسير في طريق الأمم المتمدينة التي تضع العلاقات العسكرية والمدنية في موضعها الصحيح وتُعطي العيش لخبازه، فإن انقلاب 3 يوليو أعادنا لنفس دوامة الفشل الذي عانينا منه عقوداً.

وإذا استثنينا المجموعة الضئيلة التي جرّت البلاد للانقلاب وتحاول كل يوم وضع الجيش في مواجهة الشعب ودفع الشعب لاعتبار أن معركته هي كسر الجيش متغذية في بقائها على تلك المعركة الوهمية، فإن عناصر نجاح مصر كدولة وكبناء وطني وكمنظومة اقتصادية جبارة قادرة على تحقيق معجزات، متوفرة.. سواء من حيث إعادة صياغة العلاقات المدنية والعسكرية أو إعادة ترميم المصفوفة الوظيفية، بما يسمح لكل مؤسسة أن تُبدع في مجالها وألا تتجاوز حدود اختصاصها، أو من حيث إعادة لم شمل الاقتصاد المصري الذي جرى تمزيقه عبر ستة عقود ليُصبح أشبه بقطعة اللحم المفتت، أو من حيث ترسيخ قنوات الحوار الذي يخلق نظاماً لإدارة الخلاف دون كبته أو إهداره، أو من حيث مكافحة الفساد واستعادة الرقابة الشعبية على مقدرات البلاد.

ربما إن أي بلد آخر في المنطقة لا تتوفر له ما يتوفر لمصر من مقدرات وإمكانات وملكات، غير أن الدول التي استطاعت أن تعبر من الفقر والتخلف سبقتنا عندما أمكنها أن تعبر أولاً من القمع إلى السلام الاجتماعي ومن الدكتاتورية إلى نظام التداول السلمي للحرية.

علينا جميعاً أن نعمل على وقف مراكب الموت بأن نصنع الحياة على أرض مصر، وهو ما لا يُمكن فعله حتى يرحل القتلة الجاثمون على صدرها، وقتها فإن التصافي بين الجميع وقبولهم بقواعد عادلة تحكم العلاقات في السياسي والاقتصادي كما في الاجتماعي والإنساني، سيكون كفيلاً بأن يجتذب شبابنا لحضن الوطن.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.