المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

رابعة شعبنا..

تم النشر: تم التحديث:

شعبنا من كان في التحرير، وهو نفسه من كان في رابعة، وهو من ننتظره ليعود للميادين ليزيل قبح الاستبداد عن وجه مصرنا، فليتأدب من يخاطبه أو يخاطب عنه.

اتفقت مافيا السلطة مع بعض السخفاء ممن يعارضونها في احتقار شعبنا والاستخفاف به وتحميله كل آثام الدينيا:
مافيا السلطة منذ مبارك إلى الانقلاب تعتبر أن مشاكل مصر كلها تأتي من الزيادة السكانية ومن بلادة المصريين؛ حتى اجترأ أحد منافقيها من الأكاديميين فافترض أن المصريين لو انتقلوا إلى اليابان أو إلى أوربا لعطلوا حركة الإنتاج فيها ولتخلفت تلك البلدان!

وفي المقابل سخفاء ينتمون لرافضي الانقلاب ينظرون للشعب بعداء، فيرونه سبب الانقلاب لأنه لم ينتفض ضده وسبب سقوط الشرعية لأنه لم يُدافع عنها، ويستشهد بتاريخ قرأه في جرائد صفراء وفلسفة تعلمها على أيدي نفس السلطة القمعية التي يدعي معارضتها.

كلاهما يستخف بشعب يسعيان لاستغلاله، فالأول يسعى لامتصاص ما تبقى من رحيق حياته واستعماله في كنز مزيد من الثروات وتحويلها لبنوك الغرب والقيام بدور خدمي لمصلحة أسياده من داعميه في الشرق أو الغرب.

والثاني يتمنى لو انتفض الشعب فأسقط الانقلاب دون أن يعترف لهذا الشعب بكرامة أو بدور منذ مطلع التاريخ لليوم.

كلاهما يعول على شعب وهو يحتقره ويستخف به!

لا يهمني الفريق الأول، فالاستبداد يقوم على تهميش الشعوب وإشاعة شعور التفاهة وعدم الانتماء حتى يتسنى له قتل كل أمل، فلا يبقى أمام الشعب سوى سلطة قمع هي الوحيدة الفاعلة والقادرة والخبيرة بإدارة الدولة.

أما الفريق الثاني فهو مريض بالشيزوفرينيا؛ يرفض الاستبداد وينتظر أن يثور شعبه، لكنه يروّج لنفس خطاب الاستبداد الذي يستهين بالشعب ويشيع لديه روح الاستسلام والخنوع.

لو أن نبينا صلى الله عليه وسلم استسلم للدعاية التي سادت لقرون قبله عن العرب الحفاة العراة قساة القلوب الذين يتأبون على التمدين ويتجنبون الحضارة، لما وصلنا إلى هنري بيرين في كتابه "محمد وشارلمان" الذي يقف مشدوها أمام مائة ألف من أولئك الأجلاف الذي ابتلعوا 80 مليوناً من سكان المعمورة بحضارتهم وأقاموا بهم حضارة جديدة غير مسبوقة فيما أسماه "انفجاراً إسلامياً"، محطمين قواعد علم الاجتماع والقانون الطبيعي.

لكن أولئك المائة ألف كانوا قد تعلموا على يد معلم يدرك كيف يصنع الرجال وكيف يُعدون للقيادة والريادة. بينما لدينا من يكتفي بتعليم شبابه الالتزام دون أن يُعلمهم الإبداع، بل ويجعل من الإبداع بدعة ويجرّها تحت معنى الضلالة. ولدينا من يفترض أنه وشعبه وفريقه غير قادر وعاجز ولا تتوفر فيه صفات الريادة، ويُنصب نفسه عالماً بالتشريح وعارفاً بالتاريخ وضليعاً بعلوم الاجتماع لينتهي إلا خلاصة أنه "شعب مفيش منه فايدة".
فلمَ تنتظرون منه أن يلبي نداءاتكم أو أن يثور لدعاويكم؟!

تبدت صفات شعبنا وملكاته في أيام التحرير عندما اصطف أبناؤه من كل محافظات مصر دون أن تميز بينهم إلا بلهجاتهم، وتبدت في رابعة والتي شهد العالم فيها صموداً أسطورياً أمام انقلاب عسكري مُسلح شرس لم يتوانَ عن إطلاق صاص القناصة والمركبات والطائرات على معتصمين عزل، وهو ما لم يحدث في أي بقعة أخرى في العالم، بما فيها تُركيا. فالشعب التركي واجه انقلاباً في طريقه للانتشار بينما واجه شعبنا انقلاباً متحكماً منتشراً بقواته في كل ركن قبل الإعلان عن الانقلاب بأسبوع كامل.
هذا هو شعبنا لم يرغب أن يتعلم ويتعرف عليه..

لا يُمكن أن تكتشف طبائع الشعوب وهي تحت ضغوط الاستبداد ولا من خلال سلوكيات المتسلقين أو المنافقين والذين لا يخلو منهم شعب؛ إنما يُمكنك أن تراها وتقرأها في الملاحم الكُبرى عندما تأتي ساعة عليها فيها أن تقدم ثمناً لأمل عظيم.

ولم يعرف التاريخ أن شعبنا نكص يوماً عن دفع الثمن، فحتى بعد الاحتلال البريطاني الذي احتل مصر لسبعين سنة بمباركة الدولة العثمانية، لم تتوقف مقاومة شعبنا؛ فأمكنه أن يبني اقتصاداً وطنياً بظل ضغوط المحتل الذي حاول الاستحواز على مقدرات شعبنا، وأمكنه أن يصنع ثورات متتالية لم تبدأ بثورة 1919 ولم تنته باحتجاجات الطلاب في 1936. وأمكنه أن يشكل مقاومة ضد المحتل ويُشارك في مقاومة تهويد أرض فلسطين، رغم أنه تحت الاحتلال الذي وعد ومهد وساعد ودعم في بناء الكيان الصهيوني.

الشعب نفسه الذي فرض عليه الاستبداد هزيمة تكسر ظهر أي شعب في 1967 خرج ظافراً من كبوته في 1973، التي يُروج البعض أنه لم يكن نصراً لمجرد رغبته في أن يشفي صدره من الطغاة فيشوه تاريخ شعبهم، دون أن يدرك أن الشعوب يُمكنها أن تنتصر بينما الطغاة يُفرغون الانتصارات من أثرها بإدارة تُعبر عن صغار يحكمون شعباً كبيراً.

شعبنا نفسه هو الذي انطلق بعد انتصاره في معركة العبور الكبرى بثلاث سنوات ليُطالب بالعدالة الاجتماعية في انتفاضة 18 و19 يناير 1977؛ وهو نفسه الذي رفض التنازلات الصارخة في اتفاقات السلام وزُج بزعاماته ورموزه في اعتقال تحت عنوان التحفظ، وهو نفسه الذي نظم المسيرة الخضراء في بداية عصر مُبارك ليفرض عليه انفتاحاً سياسياً أكبر، فتمكنت أحزاب وقوى لم يمنحها النظام أي شرعية قانونية من أن تحصل على شرعية شعبية ابتداء من انتخابات 1984 و1987.

شعبنا نفسه هو الذي كان يقفز من على الأسوار ويواجه الحصار الأمني ليدخل للجان التصويت ليُدلي بأصواته لمعارضي مبارك وفي القلب منهم الإخوان. شعبنا نفسه هو من تدفق للشوارع والميادين في 28 يناير 2011 رافضاً الذل والمهانة والتوريث والفساد.
وأخيراً شعبنا نفسه هو الذي صمد في رابعة.

لم تكن أنت ولا أنا ولم يكن فصيلاً معيناً.. فأنت وأنا والفصيل ننتمي للشعب، وإذا انطلقت في عملك من أنك تُمثله وتعبر عنه فأنت تُمثله وإذا اعتبرت نفسك ممثلاً لفصيل فأنت وفصيلك.

كل ثائر هو من صنع الشعب، كل رافض للانقلاب وكل من ضحى بنفس أو بمال أو بوظيفة أو بوقت وجهد هو من أبنائه، يحمل صفاته وملكاته. فلم يسقط أحد على الشعب من الفضاء حاملاً جينات أرقى وصفات أسمى. أنت إن كنت أبياً فلأنك جئت من شعب أبي، وإن كنت مضحياً صلباً فلأنك تحمل صفات نفس الشعب.

وإذا كان بعضاً من شعبنا يقع ضحية إعلام الانقلاب والاستبداد فكل شعوب الأرض يحصل لها ذلك، فالذي يستدل بالألمان ويعتبر أن المصرين لو اختلطوا بهم لتخلف الألمان، يغفل أن الألمان أنفسهم من خضعوا لماكينة غسيل الأدمغة وإلغاء الضمائر التي مارستها النازية. ومن يحتج باليابان ينسى أن اليابان الحديثة هي نتاج هزيمة كبرى، وأن بناءها جاء على يد المحتل وبإدارة حاكم عسكري أميركي.

لا تنجح مقاومة لا تمثل شعبها ولا تعتز به ولا تذكر بمكارمه ولا تستفز ملكاته وتستنهض همته للخروج من أزمته وإسقاط الطغاة وإقامة دولة العدل وفرض إرادته.

جاءت رابعة تحمل صور أبناء مصر من هالة أبو شعيشع وحبيبة عبدالعزيز وأسماء البلتاجي.. وآلاف غيرهن من شباب وشابات.. ثلاث فتيات كان يُمكن أن يكنّ أمهات لمصريين يحملون جينات العزة التي حملنها وروح الانتماء للأرض وللوطن التي عبرت عنها بنات مصر ليعطين درساً لمحتقري شعبهن.

فشعبهن عظيم بعظمة أمهات أبنائه. ثم جاءت شيماء الصباغ الأم لتقدم روحها على نفس الأرض وفي نفس السياق لتذكر بنفس المعنى، تاركة خلفها أطفالاً يحملون خصالها.

رابعة يوم تضحية شعب.. يُبشر بيوم انتصاره، فالشعوب العظيمة تضحياتها جسام وانتصاراتها قواطع..

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.