المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

من الخائن؟

تم النشر: تم التحديث:

لم تعرف الثورة المصرية خائنين، بل عرفت أطهر من أنجبتهم أرض مصر، من آمنوا بأن الحرية والتسامح أساس لبناء المستقبل. لكنها أيضا عرفت بعض السذج والطيبين والجشعين ومن حملوا معهم كراهية الماضي ويؤسسون لكراهية المستقبل. فمصر بها ثلاثة تيارات سياسة كبرى تأتي من روافد فكرية أساسية، وهي الإسلامية والتي تؤسس لرؤاها السياسية بشكل مباشر على نصوص شرعية أو غير مباشر على مفاهيم حضارية إسلامية، ثم الليبرالية والتي تستلهم النهضة الأوربية كطريق للخروج من المأزق التاريخي الذي نُعانيه، دون أن تعادي البناء الحضاري للأمة أو تتصادم مع دينها. وأخيرا الاشتراكية في قوامها العام، والتي تسعى لتكون صوتا لمتاعب الجماهير المكدودة والفئات الاجتماعية المهدورة، دون أن تُعادي قيمها أو دينها.
ولا تُمثل الأصوات النشاز على تخوم تلك التيارات الكبرى وزنا يُذكر في البناء النسبي لكل اتجاه، لكنها للأسف تُمثل الصوت العالي الذي يمنع تلاقي تلك الاتجاهات. فأصوات النشاز تملك من القدرة على المزايدة بما يُحاصر تيارها الرئيسي ويمنعه من المبادرة أو المبادأة أو التقدم ناحية الأطراف الأساسية الأخرى. وهي تلك الأصوات التي تنكر رابطة المواطنة وتعتبرها منافية للدين من جهة أو تلك التي ترى أن الليبرالية أو الاشتراكية في خصومة مع الدين من جهة أخرى.

وعلى سبيل المثال، امتلك حزب النور قدرة مذهلة على المزايدة على الإخوان المسلمين وأحزاب سلفية أكثر اعتدالا من النور، سواء بتنصيب نفسه مدافعا عن قيم الإسلام وفقا لتصوره المحدود. وبسبب من ذلك وقع ممثلو الاخوان في الجمعية التأسيسية أسرى لمزايدة حزب النور في بعض مسائل، ربما كان أسوأها فرض المادة 219 التي لم تكن ذات معنى ولا قيمة إضافية سوى استفزاز المخالفين، كما قلت وقتها، وإن كان تمريرها قد جرى بموافقة الطرف الليبرالي بالجمعية قبل انسحابه.

وكذلك، سقطت بعض الرموز الليبرالية واليسارية ذات التاريخ والوزن في فخ مزايدة الأصوات النشاز والتي افترضت أن الليبرالية أو الاشتراكية تتعارض مع وجود رئيس ذي انتماء إسلامي في السلطة، فانسحب مساعد رئيس الجمهورية المسيحي، رغم إنها المرة الأولى في تاريخ الحركة الوطنية التي تتمكن أن تصل بمسيحي في هذا المنصب، وانسحبت قامات ليبرالية أخرى، سواء من الجمعية التأسيسية أو من استشارية الرئاسة.

عندما تعلو أصوات المزايدة فإنها لا تترك مساحة للعقلاء للتنقل بين اختيارات معقولة، بل لا تترك لهم سوى خيارا واحدا عليهم الوقوع فيه أو امتلاك الشجاعة للإفلات من خناق المزايدين.

لم يختلف الحال كثيرا الآن وبعد الانتكاسة التي تعرضت لها الثورة، فرغم كل ما يعانيه شعبنا وكل ما ضحت به آلاف الأسر المصرية، وكل ما تنازل عنه النظام من حقوق مصيرية تُهدد الدولة في أمنها ووجودها؛ مازال البعض يرى أن المشكلة هي خيانة فلان وعلمانية فلان وإخوانية فلان. إنه حال مؤسف أن تسقط جماعة وطنية يمتد تاريخها لأكثر من مائتي سنة في فخ مزايدة من احتلوا الهوامش والتخوم ولا يملكون سوى رفع عقيرتهم بالتخوين والتهويل وبث الكراهية والتذكير بالأخطاء والخلافات والاقتتال.

إن الأمم العظيم وقت الأزمة لا تبحث عما يُفرق صفها بل عما يُجمعه، ولا تقبل أن يغني كل فصيل بنشيده المفضل بل تفرض نشيدها الوطني الواحد. ولو أن العرب في يوم ذي قار تذكروا اقتتالهم في عشرات المواقع لعشرات السنين ما حققوا انتصارهم التاريخ الذي غنى له امرؤ القيس بشعره.
الفرقة مرض عربي قديم، وأصل دائها اعتزاز كل عربي بانتمائه القَبَلي الذي يسمو به لعنان السماء، بينما ينزل بانتماء الآخرين لأسفل سافلين، فيميل مع قبيلته أينما مالت ويُدافع عن أخطائها وعيوبها باستماتة، حتى قال دريد بن الصمة:

وما أنا إلا من غزيةٍ إن غوتْ *** غويتُ وإن ترشد غزيةُ أرشدُ

ولم يفلت العرب من تلك الدائرة الجهنمية حتى جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم بدين لا يلغي الانتماءات الجزئية لكنه يجعلها ضمن انتماء أعلى يسمح بجمع أطراف المجتمع الواحد؛ فاعتبر النبي أن إيقاظ النعرات القبلية نوعا من الجاهلية؛ وما أعظم تعبيره عن خطرها على بناء كل جماعة وطنية، بقوله: "ما بال دعوى الجاهلية، دعوها فإنها منتنة".

لا تتعلق تلك الوصية بالإسلاميين فقط بل بالمسلمين، وأيضا بكل أبناء الوطن، وكل وطن وكل حركة وطنية تحاول أن تحافظ على نسيجها الواحد في مواجهات دعوات الجاهلية المفرقة والتي تستنهض دائما أسباب النزاع والتقاتل والتشرذم.

وفي هذا الإطار لم يُخوَن من نزل لجمع الغنائم في أُحد ولا أولئك الذين فروا يوم حنين بعد أن أعجبتهم كثرتهم، ولا من خشي على أهله في مكة، فأبلغ سدنتها بخطة النبي لفتحها، وهو فعل خيانة واضح، لكن النبي لم ير فيمن قام به خائنا.

بينما الحالة المصرية تنتقل من سيء إلى أسوأ، فقد بدأ ميدان التحرير تجربة فريدة جمع فيها كل المصريين بكل تياراتهم مطالبين بالعيش والحرية والعدالة والكرامة الإنسانية؛ لكن ما لبث أن سقط الجميع بفخ جاهلي صنعه لهم المجلس العسكري فوضعهم أمام استحقاقات لا تبتغي التحول الديموقراطي، بل استنهاض أسباب الخلاف ومشاعر الكراهية القديمة لتُصبح أشهى الخيارات على مائدة العمل الوطني؛ لتصبح الثورة الواحدة فجأة أمام تيارات متنازعة كلُ بما لديهم فرحون.

وجرت الأحداث بما لا يشتهي أي من هذه التيارات والقوى، وكان المنطقي أن يعود الجميع للنبع الأول، وهو التحرير، فيستلهمون منه روح التسامح والابتعاد عن استثارة أسباب الكراهية التاريخية التي تخصّ ناسا آخرين أغلبهم في ذمة التاريخ، وأن يركنوا إلى اصطفاف الثورة التي سمحت لهم بجهد معقول أن يُسقطوا نظاما أشد غطرسة وتجذرا مما هو قائم.

لكن الساحة مازالت تغص بأصوات النشاز التي لا ترى في الجماعة الوطنية سياجا يستحق التنازل قليلا لترميمه وتقويته، مكتفين بأنفسهم، باعتبارهم وحدهم أصحاب القضية ومن يختلف معهم إما خائن أو مشروع خائن.

ينتثرون على هوامش وتخوم كل التيارات لمنع التقائها برؤى سطحية ومزايدات زاعقة؛ فنشاز الإسلاميين يعتبر كل من خرج في 30 يونيو 2013 خائن بتسهيله الانقلاب؛ وفي المقابل يحمل نشاز الليبراليين والاشتراكيين كتاب خطايا الإسلاميين التي بررت خروجهم وتسببت في ضياع الثورة.

لو كان التلاوم في إطار مكاشفة ومراجعة واستخلاص للعبر، لكان الأمر جيدا بل مطلوبا، لكنه تلاوم يستدعي أسباب الشقاق التاريخية والفكرية والفلسفية ويُطلقها لتزرع الكراهية في قلوب أشبال كل فريق. مما جعل جرائم السلطة مناسبة ليس للاصطفاف لمواجهتها بل فرصة للتنابذ والتخوين، وهو ما يُسعد أي سلطة فاشلة مستبدة، ويُرسل لها رسائل إيجابية بانها باقية مهما كانت كوارثها، فلا يُوجد من يُزعجها، إذ ينشغل كل طرف بجلد الآخر.
إن لم تنتبه الجماعة الوطنية لمأزقها ولم تمتلك الشجاعة لمواجهة مرضها ولاستعادة وحدتها، فإن جيلا أو أجيالا أخرى ستُعاني النكبات التي نعانيها، ولن تلعن الفاشية بل ستلعن من أعطاها قبلة الحياة بسبب ضعفه وانقسامه بينما كان قادرا على أن يقتلعها لو اقتلع الكراهية من قلبه.

ولم أر في عيوب الناس عيبا *** كنقص القادرين على التمام
المتنبي
كل عام وأنتم بخير..