المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

بين الدعوي والسياسي!

تم النشر: تم التحديث:

الدعوي لا يقتصر على الديني، بل يشمل العقائدي عموماً، سواء مستنداً إلى دين أو مذهب فلسفي.

غالبية المشتغلين في السياسة في بلادنا هم في الأصل دُعاة، فالإسلاميون المشتغلون بالسياسة ينطلق جُلهم من منطلقات دعوية، واليساريون هم أساساً مبشرون فكريون، وكذلك الليبراليون هم أصحاب نظريات فكرية لا برامج سياسية، هذا ما يُفسر تلك الخصومات الطاحنة التي نراها؛ فهي خُصومات فكرية أو بالأحرى دعوية، بين ثلاثة اتجاهات كُبرى لا يُمكنها نزع الدعوي من السياسي، فنقلت خصوماتها للسياسة ليصعب عليها أن تلتقي على مشروع وطني واحد، فالدعاة المختلفون لا يلتقون، بينما السياسيون يختلفون ويلتقون، خصوصاً عندما تقتضي مصلحة البلاد العليا أن يلتقوا.

أحدث حزب الوسط اختراقاً فكرياً إيجابياً منتصف التسعينات ليفصل بوضوح بين ما هو سياسي يدخل ضمن اهتماماته، ودعوي لا يتناوله ولا يتعاطاه؛ فأفلت بذكاء وبعد نظر من قيود وضعتها الحركة الإسلامية بفصائلها المتنوعة على العمل السياسي، والتي يأتي على أقصى يمينها من يُحرم العمل السياسي كُلية في ظل حكومات يُنظر إليها باعتبارها خارجة عن الفهم الصحيح للإسلام؛ وفي أقصى يسارها، يجري تبرير العمل السياسي على أُسس دعوية بحتة، فهو -وفقاً لهذا الفريق- خدمة للدعوة أو إعلاء لكلمة الدعوة في برلمان طاغوتي من وجهة نظر فريق وعلماني من وجهة نظر آخر.

الدعوي هو أشمل من السياسي؛ لأنه يرتبط بالحضاري وبالاجتماعي وبالتاريخي، بينما السياسي يرتبط بالحالي والواقعي، وهو أشبه بالجدلية التي طرحها فقهاؤنا من أن النصوص محدودة والحوادث ممدودة مما أسس للانتقال إلى مجال الاجتهاد الرحب. وفي السياسة، تكون مساحة الاجتهاد أوسع ما تكون، حيث لا تبرير لرؤى أو برامج سياسية بتنظير دعوي؛ فالدعوي مثالي بطبعه، بينما السياسي تجريبي في جوهره؛ وبالتالي فإن الخلط بين السياسي والدعوي سيعني امتهاناً للمثالي وتجميداً للتجريبي.
ومن أسس نجاح الدعوي والسياسي أن نضع كلاً منهما في سياقه دون أن يكون أحدهما في خدمة الآخر، فهما وظيفتان مختلفتان يجب أن يكون وازع كل منهما خدمة المجتمع.

وواجب السلطة هو عدم الانحياز لتوجه فكري دون الآخر، وإنما تهيئة الظروف للتطور الطبيعي للمجتمع انطلاقاً من تراثه الحضاري ومخزونه الثقافي ومكوناته الديموغرافية، وبالتالي فإن السلطة الملزمة بتحقيق الأمن والسكينة والسلام الاجتماعي، تخون وظيفتها عندما تُصبح داعية لرؤية أيديولوجية محددة، بل وتستخدم أدوات الدولة لفرضها، فهي لا تفعل سوى إجبار الناس على تبني تصوراتها الخاصة، وتعطيل حركة المجتمع الطبيعية الجامحة دائماً ناحية التغيّر والتطور.

وفي هذا السياق، يُصبح ما قام به كمال أتاتورك في تركيا من استغلال السلطة لفرض شكل تعسفي ومصطنع من العلمانية المزيفة، لا يختلف كثيراً عما قام به ملالي إيران من فرض لصورة دينية ظاهرية ومُحرفة استغلالاً لنفس أدوات السلطة.
والنتيجة أنه لا يُمكن أن يُبرر سياسي، فرداً كان أو حزباً، سلوكياته وحركته السياسية على قواعد دعوية، كما لا يُمكن أن يبنيها على ما يتناقض مع المبادئ الحضارية التي تُمثل أساساً لثقافة مجتمعه ورؤاه؛ فكلا المسلكين يُمثل خلطاً بين الدعوي والسياسي.

الدولة هي مجموعة أدوات ووسائل ومؤسسات تعمل في مجملها على إسعاد المجتمع لا إلى تغيير عقيدته أو صبغه برؤية دعوية أو فكرية لهذا الفريق أو ذاك؛ والسياسة هي فن إدارة تلك الأدوات والوسائل والمؤسسات باسم المجتمع ولصالحه دون أن تحرفها عن دورها المنوط بها، والسياسة الأيديولوجية أو الدعوية لا تختلف عن الانقلابات المسلحة، فكلاهما يختطف أدوات ووسائل ومؤسسات الدولة لنفسه ليحقق مصالحه -مادية أو معنوية- ولفرض وجهة نظره على المجتمع.

والعمل السياسي لا يشترط غير المواطنة، فكما لا يُقبل بإجازة مباشرته لأجنبي، بل تحظر التشريعات على المتجنس فترة من الزمن مباشرة السياسة حتى يستكمل الجانب المشاعري من المواطنة، فإن من غير المقبول تضييق مجاله بحظر العمل السياسي على بعض أبناء الوطن؛ فذلك لا يختلف عمّا تقوم به السلطات الفاشية من إقصاء الجميع من السياسة ووضعهم في المعتقلات.

فالبلد الذي تتنوع فيه الأديان لا يُمكن قصر السياسة فيه على المنتمين لدين الأغلبية فقط، كما أن البلد الذي تتعدد فيه التيارات الفكرية لا يجوز فيه حرمان تيار من العمل السياسي، فأولئك الذين يحملون رؤى -من وجهة نظر البعض- راديكالية، علمانية أو دينية أو قومية، لا يُمكن إقصاؤهم من السياسة وإلا كان إقصاء لهم من المواطنة.

ويشمل العمل السياسي، الرأي والعمل الحزبي والترشح للانتخابات، فإذا كانت المشاركة في العمل الحزبي والانتخابات على أساس المواطنة، فإن الأصل أن يأتي الاختيار أيضاً على نفس الأساس؛ وكما أن السياسي حُر في أن يتبنى ما يشاء من رؤى سياسية، فالمجتمعات حُرة في أن تتبنى ما يطيب لها من مشاعر إيجابية أو سلبية، دون أن تتعرض للانتقاد أو التحقير.

فعلى سبيل المثال استمرت الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية حكراً على أصحاب البشرة البيضاء، بل والمنحدرين من أصل عرقي معين، حتى جاءت اللحظة التي تجاوز فيها المجتمع أسباب عدم ميله لاختيار رئيس أسود؛ فقوانين تطور الشعوب تخضع لمؤثرات أكثر تعقيداً من تلك التي تخضع لها قوانين تطور الفرد.

بينما في بلادنا يجري مُعاقبة شعوب بكاملها لاختيارها فصيلاً غير ذلك الذي ينتمي لشبكة المهيمنين على مقدرات الدولة والمتحكمين في مفاصلها؛ وهو ما يجب علينا مواجهته بوسائل شريفة دون أن نقع في شرَك نفس الفكر السلطوي الذي يرى الدولة ملكاً له وأداة لتحقيق مطامحه وإقصاء لكل من يختلف معه.

كتاب للقراءة: رسالة دكتوراه عن حزب الوسط، حاصلة على جائزة العلوم الاقتصادية والقانونية من الأكاديمية الفرنسية الوطنية - مس 2011.
STEUER (Clément) : Le WASAT sous Moubarak. L'émergence contrariée d'un groupe d'entrepreneurs politiques en Egypte., Thèse, Lyon, France, 2011.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.