المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

من يغمض عينه يخون

تم النشر: تم التحديث:

لا يُلام شعب لأنه لم يثر.. إنما قد يُعاقب لأنه ثار.. فالثورة تفترض إدراك الواقع،
وهو ما يتوفر لدى غالبية الشعوب المطحونة بين سندان الظلم ومطرقة الفساد، لكنها أيضا تفترض معرفة بما يجب أن يكون عليه الحال لو توافر العدل وأفرج عن الحرية، وهو ما لا يتوافر لغالبية الشعب.

كم من شعوب مقهورة تظل راضية بالقهر معتقدة أنه سُنة الحياة، وأن الدنيا قامت على الظلم، وأن العدالة تعني عدم العدالة، وأن الغني يعني الرضى بالفقر، وأن الحرية تعني المشي بجوار الحائط؛ لكي لا تذهب خلف الشمس.

بل وترى الفساد طبيعة إنسانية لا يُمكن اقتلاعها، واستغلال السلطة والنفوذ ملازم لكل سُلطة، والاعتقال والتعذيب وانتهاك الدستور حق لمن يستولي على الحكم، والاعتراض على الظلم تمرد على القدَر وخيانة للوطن ومحاولة لحرقه.

منطق يُثير الذي يعرف، ويجعله ينتفض أو يستهزأ معتقدا أننا نبالغ، يكفيه أن يجلس على مصطبة أمام دار خاله أو عمه أو أحد أقربائه في قرية من قرى مصر؛ ليستمع منه عن معنى العدالة، فالمعاناة التي يحتملها قريبه في سني حياته وتنتهي بسرطان الدم -لا قدر الله- بسبب فساد الأسمدة يراها عدالة ربانية لا اعتراض عليها؛ ومعالجة فنان على نفقة الدولة من وخزة في قدمه في ألمانيا أو أميركا، هي أيضاً عدالة، فالرجل مشهور ولا يجوز تركه بمستشفى التأمين الصحي.

بل إن مستشفى الجامعة أو التأمين الذي يذهب إليها المرضى دون كبير أمل في الخروج أصحاء، هي بالنسبة لملايين المصريين لا تشكل سوى ستراً يجب أن تُحمد السلطة الظالمة عليه، كما أن وجود الموبايل بيد حفيد ستيني يُعتبر نعمة تُحسب لنفس الظالم الذي يقتطع من أموال المعاشات ليمول بها منظومة أمنه.

الشعوب لا تعرف الحرية، طالما نشأت وتربت على القهر، وإنما تطّلع إليها عندما يُخبرها من تثق في رؤيته وفي صدقه؛ فإذا لم يقم أحد بواجب إخبارها فإنها تظل قابلة للظلم متقلبة في ناره وكأنها تتقلب في النعيم.

المثقفون هم عيون الشعوب التي ترى بها الوجه الآخر للدنيا.. وكما تخلى دعاة عن الدعوة ليركبوا سفينة السياسة فأضروا الدعوة وفقدوا السياسة، فإن المثقفين تركوا مهمتهم في توعية الشعوب وانساقوا يبحثون عن المناصب والفرص والتي لا تُعوض.. ففقدوا قيمتهم لدى شعوبهم، وفشلوا في القيام بواجبهم.

لا يُمكن أن تنتقد مصريا يرقص رافعاً صورة السيسي الذي قتل جاره وباع أرضه وبدد ماله وفشل في كل خطوة، ولا أن تنتقد امرأة تضع حذاء الظلم على رأسها متفاخرة بحكم العسكر؛ لأن هؤلاء ضحاياك أيها المثقف.. ضحاياك الذين تخليت عنهم فلم تستفد من فترة الثورة لتدور في النجوع والأحياء والقرى لتوعيتهم، وإنما ربما جُبتها لتلعن الفصيل الذي تكرهه أو لتنقل لهم مرض الخلاف والتنازع.

يُمكنك أن تنتقد أولئك الذين وثق فيهم الناس فاختاروهم للحكم فإذا بهم يسلمونهم لنفس الدولة العميقة التي ثار الناس عليها.

يُمكنك أن تنتقد أولئك الذين حملوا رموز القمع والفساد على أكتافهم ليُمهدوا لانقلاب عسكري دموي.

لكن لا يجوز لك أن تنتقد آلاف المتدينين الذين يعتقدون أن النظام الاستبدادي يحمي هويتهم بينما الديمقراطية ضد دينهم؛ لأن أطباء ومهندسين ومتعلمين أطلقوا لحاهم واشتغلوا بعلوم الحديث والفقه قالوا لهم إن ستر الوجه أهم عند الله من ستر عورات الشعوب والدفاع عن قضايا الأرض والعرض.

لا يُمكن أن تلوم جارك الذي يجاهد ليقنعك أن مصر غير مؤهلة للديمقراطية، وأن النظام العسكري يليق بها؛ بل وجه لومك لمثقفين يتصدون الإعلام بلا حياء لتلويث فطرة الشعوب التي تتوق للحرية، لكنها لا تعرف كيف الوصول إليها.

لا يجوز لك أو لي انتقاد طابور المرضى الذين ينتظرون التخلص من معاناتهم من الكبدي الوبائي بمعجزة جهاز الكفتة، ولا حتى أولئك الذين يخونونك؛ لأنك تطالب بحرية الصحافة أو تُدافع عن الحق في الحياة.. فكل هؤلاء ضحايانا.. سلمناهم لسُلطة ظالمة لا تعرف قيمة لوطن ولا كرامة لشعب.. ولم نبذل ما يجب من جهد لتوعيتهم، ولإطلاعهم على أن العدل والحرية والكرامة هي معانٍ يُمكن أن تبني وطناً مختلفاً، يحصلون فيه على حقوقهم في السكن والصحة والتعلم، ولا مكان فيه لفاسد يتقلد سُلطة.

المثقفون كالدليل الذي يتصدر القافلة، فإما يُدخلها في متاهات لا مخرج منها أو يصل بها إلى غايتها وإلى بر أمان.
وكثير من الأدلاء في بلادنا أذلاء، يمنحون شعوبهم قدوة في الذلة، وكثير من الأدلاء جبناء يمنحونهم القدوة في الجبن؛ أو يبررون لهم الظلم؛ لأن بلدنا ليس كتلك التي نالت الحرية وحققت الريادة، وكثير منهم يُغمضون عيونهم ليحرموا شعوبهم من الرؤية.

والنتيجة أن على من أهمل في القيام بواجبه أن لا يعتذر عن إصلاح ما ارتكب من خطأ.. فلا يجوز لمثقف أن يتذرع اليوم بالخوف أو بأنه لا أمل أو بعدم القدرة على التوافق بين القوى المختلفة؛ ليجلس في بيته ويدعو الناس للقبول بالواقع والرضى بالمقسوم ونسيان حلم العيش والحرية والعدالة الاجتماعية..

وإلا فإن أخطاء كل من يُدرك ستُصبح خيانة..
فقديما قالوا: الذي لا يعرف في عنق من يعرف.. فإما أنجاه أو خانه..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.