المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

الانقلاب العسكري الحديث

تم النشر: تم التحديث:

الانقلاب الحديث هو أحد فصول رسالة دكتوراة جيدة للباحث ميلودي موك بجامعة باريس 2 سنة 2012، قارن فيها الباحث بين الانقلاب الكلاسيكي والحديث.

ربما إن أهم ما تنطوي عليه تلك المقارنة أنه وضع يده على جوهر الانقلابات الحديثة، فهي لا تُشكل تغييرا نمطيا للسلطة، بل تؤدي لإعادة تشكيل الدولة كاملة محاولة إعادة بناء الوعي الجماهيري لدى الشعب، لتقطع صلته بالماضي أو بما تعتبره أفكارا أو سياسات منغصة، وتشويه ما تعتبره محركا للجماهير ضدها.

نحن لسنا أمام عملية استبدال للسلطة باستخدام السلاح وإنما عملية هدم منظم لأسس الدولة ومحاولة بناء شيء آخر، ربما يكون دولة أخرى بفكر وعقيدة ومرجعيات مختلفة أو ربما - وهو الغالب - الانتقال إلى حال اللادولة.

متابعتي لأداء الانقلاب في مصر منذ 3 يوليو 2013 حتى اليوم تجعلني أضعه ضمن أسوأ الانقلابات الحديثة؛ ليس فقط لكونه أسقط مسارا ديموقراطيا واعدا بل لأنه وضع الدولة في مصر - وهي واحدة من أعرق الدول - على طريق التآكل، بحيث أن مفهوم الدولة من وجهة نظر الانقلاب وأبواقه لم تعد تعني سوى شخص رئيس الانقلاب، وأن أي تهديد لمنصبه هو تهديد للدولة، وأي تغيير إيجابي لطريقة لبسه أو إلقائه للحديث يعني أن الدولة تسير على طريق سديد.

لم تعد الدولة حدودا جغرافية يتمسك بها الشعب، وإنما انكمشت إلى الحدود التي يتحرك فيها رئيس الانقلاب، كما لم تعد المؤسسات التي تتوزع بينها السلطات ووظائف الإدارة، لأن تلك المؤسسات تصبح أذرعا لشخص الزعيم الذي تتراجع أحلامه إلى مجرد الحصول على ملياري دولار أو أن يستقبله رئيس دولة أجنبية أو أن يُنعم عليه مسئول أجنبي بالزيارة.

والانقلاب الحديث - كالانقلاب الذي أُصبنا به - يعمل منذ اللحظة الأولى على تغيير المنظومة القيمية للمجتمع، فينتهك بإصرار عجيب كل الخطوط الحمراء التي تؤطر مقدسات دينية أو وطنية أو شعبية لتتحول إلى معاني ممتهنة، بينما يجري ترقية كثير من المبتذلات لتتربع على قمة هرم جديد للقيم والمقدسات. فيُصبح التمسك بعدم التفريط في الأرض خيانة، بينما يصبح وطنيا رفع علم دولة جرى التنازل لها عن جزء من أرض الوطن في مواجهة الرافضين للتنازل.

وبينما يكري تجريم حق التظاهر السلمي، فإن القتل والتصفية والثأر يتحولان لأعمال روتينية لجهاز الشرطة المنوط بحفظ سكينة المجتمع.
وبينما يؤمن غالبية المصريين بأن الجيش المصري هو من بنى الدولة ويلزم بالحفاظ عليها، فإنه يجري تصديره باعتباره مساندا للتفريط في الأرض، ويستمر في يوم تحرير سيناء في قصف منازل أهلنا بسيناء بقاذفات لا تُستخدم إلا في الحروب بدعوى مكافحة الإرهاب.

ويمثل النظام القانوني أحد ضحايا الانقلاب الحديث، فيجري هدم معنى دولة القانون ، ونزع المهابة عن القاعدة القانونية لتُصبح صفة مقصورة على ممثل سلطة الانقلاب، فيتراجع معنى القانون ليجري اختصاره في شخص أمين الشرطة أو ضابط أمن الدولة. وبالتالي تتحول مراكز الشرطة لبؤر تخويف للأحياء المحيطة، وتصبح الصورة النمطية لها هو ذلك القطيع بملابسه السوداء الذي يُغادرها في منتصف الليل ليعود بما اقتنصه من صيد من الشباب المتعلم أو الصحفيين أو المحتجين أو ممن تبدو عليهم ملامح التفكير.. نفس ما حكاه المبدع يوسف إدريس في قصته "العسكري الأسود".

إن خطورة مثل هذه الانقلابات ليس في طول مدتها، لأن العصر ووسائل التواصل الحديثة جعلت من ديمومتها أمرا مستحيلا، بل قضت بقصر عمرها؛ إنما خطورتها أنها عندما تسقط تأخذ كل مؤسسات الدولة معها فيما لو كانت قد تمكنت من تطويعها وتحويلها لأذرع لها. وبالتالي فإن مهمة الشعوب تكون مُضاعفة، فبعد ما تُقدمه من تضحيات لإسقاط هذه الانقلابات، سيكون عليها أن تتحمل بناء مؤسسات جديدة على قاعدة شعبية وشرعية تُغاير الأسس التي فرضها الانقلاب على مكونات الدولة.

وكلما تمكن الانقلاب الحديث من إطالة فترة وجوده، فإن فرصته تزيد في تأميم المؤسسات وابتلاع مقومات الدولة، وكلما قصرت فإن فرصة الشعب الضحية تُصبح أكبر في استنقاذ بعضٍ مما تبقى من الدولة من بين مخالبه.

إنه صراع على الوقت تعمل فيه الانقلابات على تدمير أسس الدولة وتحويلها لحربة تغرسها في قلب الشعوب التي ترفضها، بينما تحاول الشعب - قبل فوات الزمن - أن تنتزع من الانقلابيين تلك المؤسسات قبل اكتمال تحطيمها وتشويهها.

كما إنه صراع هوية، تجاهد فيه الشعوب للحفاظ على هويتها ومكوناتها وتنوعها، وعلى النقيض، يعمل الانقلاب على تشويه تلك الهوية لتُصبح مسخا من صورة زعيم وهو بين جماهير بلا روح وبلا كرامة وبلا قيمة.. لأنه جرى انتزاع كل ذلك منها مُسبقا إما في معامل الإعلام الموجه أو في زنازين التعذيب اللاإنساني.

إنه صراع وجود بين شعب يتمسك بالحياة ويبحث عن المستقبل، وانقلاب عسكري يتمسك بنشر الموت في أي مكان يحلّ فيه ولا يُحدّث سوى أدواته...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.