المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

الطريق لإنقاذ سفينة من الغرق

تم النشر: تم التحديث:

مصر تقف بين ثلاثة احتمالات ناقشتُها بمقالي السابق "ثلاثة سيناريوهات لما سيحدث في مصر". اليوم أركز على سيناريو الإنقاذ، فهو ما يجب أن نُغذيه وندفع إليه ونعظم من احتمالات نجاحه.
يفترض إنقاذ السفينة المهددة بالغرق عدة إجراءات أولية:
أولاً: توافقاً بين كافة الركاب؛ وهو ما يفترض أساساً قناعتهم بوجود الخطر، الذي لا يُمكن مواجهته فُرادى.
ثانياً: التخلص من الحمولات الزائدة التي يُمكن أو يجب الاستغناء عنها.
ثالثاً: تحديد المسار الأقرب للوصول إلى أول يابسة بأقل خسائر في جسم السفينة بما يضمن سلامة ركابها.
رابعاً: إصلاح التلف الذي لحق الأجزاء الأساسية للسفينة، التي بدونها لا يُمكن أن تستمر في الإبحار.
فإذا نقلنا هذا النموذج على حالة الوطن، سنُفاجأ بأن توافقاً وطنيًّا، بل ربما يُمكننا أن نتحدث عن إجماع نادر، على أن استمرار السلطة القائمة هو خطر يُهدد الشعب والدولة في كل خصائصهما: الوجود والاستمرار والتماسك.

لكن الأمر لا يخلو من تعقيدات، فالخطرُ العام الذي يُهدد الوطن يختلط لدى البعض بما يعتبره أخطاراً خاصة به أو بفريقه أو بتياره السياسي أو الاجتماعي أو بمصالحه الآنية أو الاقتصادية. فجزء من الليبرالية المصرية ترى في التيار الإسلامي خطراً داهماً على تصوراتها في العلاقات الاجتماعية؛ بينما جزء من اليسار يرى أن معركته ممتدة مع الإخوان المسلمين منذ الخمسينيات، ولا صوت يعلو لديه على صوت معركته الخاصة. في الجانب الآخر يقف جزء من التيار الإسلامي متمترساً خلف مفهوم للهوية يراه مُهدداً من كل من يختلف معه، أو رؤية للمظلومية لا تُجدي في انتزاع الحقوق.

فحتى هذه اللحظة لا يتزامن مع إدراك الخطر العام الذي يُهدد الوطن فهم لأولويات المخاطر. فليس مطلوباً من أي تيار التنازل عن قناعاته أو بأن أفكاراً بعينها أو تيارات أخرى تُهدد مفاهيمه وقناعاته. كل ما هو مطلوب هو التمييز بين خطر عام يُهدد الوطن ويجتمع ركاب السفينة على مواجهته، ومخاطر خاصة ترتبط بمفهوم التنافس الفكري أو السياسي. فالأول آليات مواجهته لا تكون إلا بإسقاطه إما بثورة أو بعمل سياسي، أما الثاني فإن آليات المجتمع الصحي والعمل السياسي المنضبط كافية لإدارة الاختلاف دون حاجة للتخلص منه.

وفي النقطة الثانية؛ تُمثل مهمة التخلص من الأحمال الزائدة أساساً ينبني عليه إمكانية تعويم السفينة. وتمثل السلطة القائمة أهم الأحمال الخطرة التي يجب التخلص منها لنقل السفينة من خانة انتظار لحظة الغرق إلى خانة احتمالات النجاة. وهو واجب يقع على عاتق كل ركاب السفينة ومؤسساتها.

وفي المقابل فإن كل أطراف السفينة لديها ما يجب التخلص منه، وأهمها أصوات الإقصاء والشماتة والتطرف الفكري وتبرير القتل والاستهانة بحرمة النفوس أو إهدار الكرامات والحريات طالما كان الضحية منتمياً لفصيل آخر.

وربما كانت لحظة مجزرة رابعة الصمود النموذج الأكثر وضوحاً، حيث قفزت تلك الأصوات للواجهة لتنفرد برسم الوجه القبيح الذي نعاني منه الآن. غير أن هذه الأصوات من كل الأطراف كانت موجودة دائماً في كافة الأحداث السابقة على رابعة واللاحقة عليها. والتخلص منها وحصارها ليُصبح واضحاً أنها لا تمثل التيار العام لدى أي طرف.

أما بشأن مسار السفينة، فإن المعضلة تُصبح أكثر حدة؛ إذ يتخلى غالبية ركابها عن مهمة مناقشة وصياغة المسار الواجب السير فيه، متبعين واحداً من خيارين:
- إما الاكتفاء بنقد سُلطة الفشل والصراخ بخطورتها على الوطن، دون الاستعداد لتقديم أي تضحيات لإنقاذ السفينة، لأنهم يُدركون أن مقتضى ذلك تقديم بعض التنازلات لرفقائهم.
- وإما ترك مهمة تحديد مسار السفينة، بيد أكثر الأصوات إقصاءً، الذين لا يؤمنون بالاختلاف ولا يرون حاجة للتواصل مع بقية ركاب السفينة.
ولذا فعلى الرغم من اتفاق الجميع على مصدر الخطر، فإن التمسك بالأحمال الزائدة، والاعتقاد بأنه لا حاجة للتواصل مع بقية الركاب للبحث عن مسار آمن للسفينة، يجعل استمرار الحال على ما هو عليه انتظاراً للحظة الغرق أكثر الاحتمالات قبولاً لدى الجميع.

أما إصلاح الخلل الذي لحق أهم عناصر السفينة ويُعيقها عن مواصلة السير، فهو يفترض إيماناً بمعنى الوطن وقيم التعايش من ناحية، وإدراكاً بأن السفينة هي ملك ركابها وليست ملكاً لقرصان يختطفها من ناحية أخرى؛ وبالتالي فإن الدفاع عن أي من مؤسساتها هو دفاع عن ملكنا، لا عن مُلك القرصان.

ويبرز هذا التناقض سواء عند مناهضة البعض لتشريعات قمعية، كتشريع الكيانات الإرهابية ومنع التظاهر، ومكافحة الإرهاب، والتوسع في منح الضبطية القضائية، وإنشاء شركات أمن خاصة تقوم بوظائف السلطات العامة، أو عند مواجهة إجراءات يتخذها الانقلاب لترسيخ سُلطته ولإغلاق منافذ فضح سوء أدائه.
فالبعض يسكت عن بعض التشريعات؛ لأنها تستهدف خصمه السياسي؛ بينما لا يرى البعض الآخر أي قيمة لمعارضة تلك التشريعات طالما أن الهدف إسقاط الانقلاب كاملاً. والاثنان يخرجان عن منطق الإنقاذ الذي يعني الدفاع بكل جزء من السفينة وعدم تسليمها قطعة قطعة للقرصان، وعن كافة الحقوق بغض النظر عن المستفيد من ذلك.

إن التراجع في المعارك الجزئية، كمعركة إقالة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، يعبر عن خلل في فهم مساحات المعركة مع القراصنة الذين يعملون بدأب للسيطرة على كل مقاليد السفينة وتأمين وجودهم لسنوات قادمة، بينما ركابها غارقون في تشخيص المشكلة، فالقبض على القبطان وتلويث قمرته أمر مقبول من بعضهم، وإهانة كل من عارض القراصنة وكشف بعض عوراتهم مصدر سعادة لدى البعض الآخر.

في النهاية، فإن عملية الإنقاذ تستدعي معالجة كل الأطراف للخلل في المشاعر وفي التصور وفي الإدراك الذي يعاني منه الجميع، والاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة بهدف خلق حالة تماسك مجتمعي تعكس التوافق على رفض السلطة القائمة؛ ثم الانتقال للتوافق على هدف عملية الإنقاذ الأولي بالوصول لأقرب شاطئ بأقل كُلفة حتى يُمكن إعادة إصلاح السفينة وتقوية ركائزها وتجهيزها للإبحار الآمن مرة أخرى في ظروف مواتية أكثر مع ضمانات لعدم إخفاء بعض ركابها لمعتادي القرصنة تحت ثيابهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.