المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

رحيل السيسي

تم النشر: تم التحديث:

لا أغالي إن قلت إن مطلب رحيل السيسي أصبح أساسا مشتركا لكافة الأطراف..


بل إن قوى الدولة العتيقة تُدرك ذلك بخجل، وتحاول أن تفتش عن حلول لكن ما يقيدها أمران:

أولا: أنها ترغب في حلول لا تُفقدها الميزات التي تمتعت بها على مدار ثلاثين سنة من الظلم الاجتماعي.. فيبقى الجيش مسيطرا على جوهر الحياة الاقتصادية ومالكا للمواقع الاستراتيجية للبلاد سواحل ومناطق للتنقيب عن المعادن والنفط، وتبقى المؤسسة القضائية فوق المحاسبة الإدارية والمراقبة المالية ، ويبقى الإعلام بيد أجهزة المخابرات ، ويظل البرلمان قسمة بين القوى تتم داخل جدران المخابرات، ويبقى الرئيس دمية أو بلغة أكثر لياقة، محايدا بين مراكز القوى؛ ويستمر توارث الوظائف العامة أساسا للاختيار في المراكز العليا والقيادية.

وفضلا عن إن ذلك لن يؤدي إلى تحقيق أي تسوية، لأن أحدا من أبناء الشعب لن يقبل بتسوية تبرر استمرار ما ثاروا عليه، فإنه أيضا لا يحمي دولة من السقوط فهو يخلق كرتونات فاشلة ومتصارعة تُعجل من السقوط.

ثانيا: أن شبكات الفساد التي تنخر في جسد الدولة العتيقة وتُمسك بغالبية مفاصلها تناضل لجعل معركتها مع مطالب ثورة يناير معركة صفرية، لإدراكها أن تقدم الأجيال الجديدة بفكرها الذي يؤمن بقيم لا تقبلها شبكات الفساد، خصوصا الشفافية والرقابة المالية عن طريق توحيد ميزانية الدولة وإخضاعها لرقابة نواب الشعب والتأسيس لأجهزة رقابية مستقلة لا تخضع لتأثير السلطة أو المال الفاسد، واستبعاد كل تأثير للمال السياسي على الحياة البرلمانية واتخاذ القرارات السياسية.
وللتقدم للأمام فإن على أجهزة

مؤسسات الدولة أن تُدرك أن مشكلتها تختلف عن معركة شبكات الفساد الموروثة عن عصر مبارك والتي تتمسك بالسيسي ونظامه القمعي كغطاء لعودتها للتسلط على مقدرات الشعب، فذهاب السيسي ربما أدى إلى تفتيت شبكات الفساد ومحاسبتها لكنه لن يؤدي إلى تفتيت الدولة أو انهيار مؤسساتها، لأن مطالب الشعب التي رفعها في يناير تقتضي بالضرورة الحفاظ على تلك الدولة بمكوناتها.

والخلاف إذا بين الثورة ومؤسسات الدولة ليس بقاء أو زوال الدولة، وإنما على إصلاحها، فبينما تتمسك أجهزة الدولة ومؤسساتها بالدفاع عن الدولة بصورتها القائمة القاتمة التي تُعد نموذجا للقمع والفشل وتفشي الفساد، فإن الثائرين يتمسكون بها مع إصلاحها وتخليصها من الأمراض المزمنة التي إن لم تُعالج منها فستسقط الدولة بالضرورة وسيتهدد وجود الوطن بأجمعه.

وربما إن إقدام السيسي على توقيع وثيقة سد أثيوبيا دون استشارة أو مراجعة بما ضرب الأمن المائي في الصميم، يُعطي صورة لما يُمكن أن تؤدي إليه سلطة منفلتة من عقال المساءلة وتشعر بأن يدها طليقة في شئون الوطن.

وبالتالي يبقى على كل أجهزة الدولة ومؤسساتها أن تعيد صياغة أولوياتها حسب معطيات الواقع. فبقاء الدولة لا يختلف عليه أحد، وإنما يجب القبول بإصلاحها؛ كما إن إصلاحها يعني تنازلا عن الميزات التي اكتسبها أي طرف بالتناقض مع مصالح الغالبية العظمى من أبناء الوطن، وهو ما يفرض أيضا القبول بمسيرة سياسية لا تخضع لتأثير تلك الأجهزة ولا تقبل بتدخل المال السياسي فاسدا كان أو غير فاسد، وتسمح بأن تتقدم الأجيال الجديدة للقيادة بدون عوائق.

نحن بالطبع نتحدث عن عقد اجتماعي لو قبله الجميع لاستقام الأمر.. لكن الجهات الأولى التي يقع على عاتقها القبول والتسليم بهذا العقد الاجتماعي وإفساح الطريق لإنفاذه هي أجهزة الدولة ومؤسساتها. كما إن منع اكتماله وإفشال التوصل إليه أو تطبيقه على أرض الواقع إنما يعود أيضا لتلك الأجهزة.

فالانقلاب على المسار الذي وضعته خارطة طريق 30 مارس 2011، رغم كل عيوبها ومطباتها، ورغم أن من وضعها هي تلك المؤسسات والأجهزة نفسها؛ هذا الانقلاب أثبت عدم إيمانها بفكرة التحول الديموقراطي وعدم قبولها بالتنازل عن أي من ميزاتها المالية أو السلطوية؛ وعليها أن تُثبت اليوم أن قنعاتها تغيرت.

ولن أنسى هذا النقاش الهادر بالقاعة البيضوية في الجمعية التأسيسية المنتخبة حول إلغاء ما يُسمى بميزانيات الرقم الواحد التي تفلت من الرقابة، وكيف كان ممثلوا مؤسسات الدولة مستميتين في التمسك بإخفاء ميزانياتهم ورفض دمجها في ميزانية الدولة ورفض الرقابة عليها، وهو ما رفضته التأسيسية في حينها، لكنه تحقق لهم بالتعديلات التي أجرتها لجنة الخمسين بعد الانقلاب.

ورغم ما أنجزه دستور 2012 من حقوق وحريات ووضع اسس الإصلاح الاقتصادي والسياسي والعدالة الاجتماعية ، فإنه في كثير من جوانبه، يبقى تسوية بين الأطراف السياسية والمؤسسية والأمنية والقضائية والشبابية، لكن هذه التسوية لم تعد مقبولة من أبناء الشعب الآن بعد انقلاب مؤسسات الدولة القضائية والأمنية والإعلامية على هذا المسار الإصلاحي.

لم يؤدِ استعادة الأوضاع التي سادت قبل ثورة يناير إلا إلى تأجيج ثورة يناير وميلها للتشدد بعد أن بدأت ثورة رُمانسية تقبل التصالح ويختلف أبناؤها على مجرد مادة عزل سياسي لا تستبعد من الحياة السياسية سوى أقل من خمسين شخصا من نظام دام ثلاثين سنة، وتقبل بأن يُحاكم رأس النظام ورموز الفساد أمام نفس الدوائر القضائية التي عينها مبارك.

كما أصبح مستحيلا استعادة التوازنات التي تلت ثورة 2011 والتسويات التي تضمنتها الوثائق المتعددة للمرحلة الانتقالية. فالانقلاب جعل من غير الممكن الوصول لتسويات دون تضحيات مُرة من كافة الأطراف، يأتي على رأسها أجهزة الدولة ومؤسسساتها.

تبخرت رومانسية الثوار بفعل جريمة الانقلاب على هذه الثورة "الطيبة"؛ ومع ذلك فإن الطريق لم ينغلق تماما أمام حلول مقبولة تضمن فيها أجيال الشباب الغاضبة أن البلاد ستحقق تحولا ديموقراطيا معقولا دون تدخل من أي من أجهزة الدولة أو أدواتها لتعطيله، وأن مسيرة للقضاء على الفساد تحوطها ضمانات لا يُمكن الحنث بها ستحمل مصر إلى التخلص من آثار التهريب والتهليب وسرقة المال العام؛ وأن أجهزة الأمن ستُصبح بعيدة عن كل تدخل في الحياة السياسية وستتطهر من العار الذي لحقها بسبب الجرائم التي ارتُكبت بحق آلاف من الشعب.

المساحات الخالية في لوحة الأزمة المصرية لم تعد متاحة، وأمست الخيارات محدودة، ومحاولة إعادة ترتيب نفس الأوراق القديمة صار إهدارا للوقت. فلا نملك سوى البحث عن حلول وفقا لمكونات الواقع، لا ما نتخيله أو نتمناه.

فنحن أمام نظام قمعي يقوده شخص السيسي بأذرعه، بغض النظر عن التصادمات الداخلية بين أجنحته، وهو ما لا سبيل للحل بدون رحيله لأنه يحمل بذاته ديناميكيات إفشال أي حل وتدمير أي توافق.
كما إننا أمام تدخل سافر - لم يعد مقبولا - من عدة أجهزة في الحياة السياسية والاقتصادية، على رأسها الجيش كقوة مسلحة، والشرطة كجهاز قمعي، وجهازي المخابرات الحربية والعامة وجهاز أمن الدولة كلاعبين في تشكيل الخارطة الاقتصادية والسياسية والفكرية وربط أطراف المنظومة ببعضها.

وأمام حراك ثوري، ربما تقل مظاهره أحيانا من مظاهرات واحتجاجات، لكنه يزداد كل يوم في مساحته وفي مستوى احتقانه، وسيكون من الغباء الادعاء بأنه وقتي أو يمكن التعامل معه بمسكنات، أو أن العصا الغليظة ستُبقيه مجرد احتقان في الصدور.
وأمام جيل من الشباب شارك بدرجات متفاوتة في ثورة يناير وآمن بمبادئها وبقيمها وفقد رفقاء له لتحقيقها، ويرى أن الاستمرار يمثل وفاء لدماء من ذهب ولعذابات من غُيب خلف القضبان.

وأمام رئيس منتخب في 2012 وفق خارطة طريق قبلها أغلب الشعب؛ ضحى آلاف بأرواحهم دفاعا عن معنى الشرعية التي يُمثلها، والتغافل عن ذلك سيكون مجرد إعادة إنتاج للأزمة لا حلا لها.
وأمام قوى إقليمية وقوى دولية تُدعم حالة الانقسام والضعف التي تعيشها البلاد، أو تدفع لمزيد من الاضطراب وفقدان الوعي والوزن والغياب عن الواقع.

لن ينتهي الطريق برحيل السيسي، لكنه سيبدأ.. وتُصبح في حينها التسويات العادلة ممكنة لتُحجم التضحيات وتحقق مطالب الشعب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.