المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

يناير في مواجهة رئيس مصنوع وبرلمان مزيف..

تم النشر: تم التحديث:

لا يليق بمصر أن تُحاصر بين الزيف والدجل الذي تعيشه.. فتنصيب الجنرال رئيسا جاء بعد تمزيق أواصل شعب وزرع الكراهية بين أبنائه وقتل آلاف منهم واعتقال عشرات الآلاف، بما يجعل أي مفهوم للشرعية يخجل من الاقتران بهذا النظام، حتى ما ابتكره الفكر الدستوري من حيل قانونية لحل إشكالات سلطة الواقع التي لا تستند لرضا شعبي لا تكفي لتبرير بقاء هذه السلطة.

وهاهو الستار ينكشف عن برلمانه الموعود الذي لا يختلف عن كل مشاريعه الوهمية، مولودا مشوها بيد من يعبثون في أحشاء وطن مهدود وبمصير شعب مكدود.. ليس فقط مصنوعا بيد مخابراتية، وإنما مُعدا لقصف ما تبقى من حواجز الدفاع عن الشعب وإهدار البقية الباقية من قوت أبنائه.

نحن لسنا أمام نظام غير شرعي فقط، إنما أمام منظومة نكدة جاءت في لحظة تغافل فيها أبناء الوطن عن الذئب الذي تربص في ثياب الواعظين، فاستقبل من شباب الثورة وصلى خلف الرئيس مرسي والتقى رموزا من ثورة يناير بمقر المخابرات العسكرية ليرتب معهم ثورته التي حلم بها.. ثورته التي ستسرق كل أحلام الشعب فقيره وغنيه.

لا يمكن عندما تقرأ شهادة حازم عبد العظيم إلا أن تشعر بالعار من أن يكون منتهى ما نجنيه بعد ثورة عظيمة في 25 يناير 2011 برلمانا يجري ترتيبه من خلف ظهر الشعب بإدارة ظابط نحيف وسيم في جهاز المخابرات العسكرية.

لا يمكن أن يكون منتهى أحلام يناير الرومانسية هو أن نهتف باسم الجنرال لأنه طمأننا بأنه لن يُضيعنا (!!) وكأنه لم يُضيعنا بعد بتبديده لحقوقنا في النيل وفي الغاز بوثائق مكتوبة غيّرت أوضاعنا القانونية والواقعية!! أو كأنه لم يحبس ملايين من شعبنا إما في سجون القتل البطئ أو بين جدران الخوف الذي ثُرنا لهدمه فأعاد بناءه.

لا يُمكن أن يصل حجم الفساد في عشرين شهرا لما يتجاوز ما أثبتته منظمات دولية عن فساد مبارك خلال الخمس سنوات الأخيرة، ثم يجلس البعض منتظرا ما ستُسفر عنه لجنة تحقيق عينها الجنرال من ثلاثة من أتباعه ليكشفوا للشعب كيف تبخر ماله في عصر الجنرال المبارك (!!)

مصر لم تر خلال كل عقود الظلم وغياب الحريات وضياع الحقوق مثلما تراه اليوم من نزيف للحقوق ومصادرة للحريات.. فنحن في أيام عجاف نادرة الحدوث في تاريخ الشعوب، ويُنذر استمرارها بكوارث أزلية لا يمكن لجيل واحد أن يُعالجها إنما ستتوارثها أجيال. فالأرقام والقيود المحاسبية في ميزانية الدولة المثقوبة وخسارات البورصة وضياع مليارات في رمال الصحراء أو في صفقات لم يُراجعها أحد، تبدو جميعها تافهة بجوار ما تُبشرنا به إدارة اللا إدارة وعبقرية الهدم.

في زمن الفضائح لا يمكن أن تعتبر شهاد عبد العظيم فضيحة تضرب نظاما لم يعرف سوى الفضائح، غير إن المخزي هو أن تجد البعض غاب عنهم الخجل فيحاولون لملمة ما جرى، وكأنها قضية شرف يمكن أن تنتهي بزواج طرفي الفضيحة!! متناسين أننا أمام قضية وطن جرى تزييف كل شئ فيه؛ من السلطة السياسية إلى المشروعات الكبرى حتى الفلاح الذي يلتقط معه الجنرال صورة يضحك بها على الشعب.

علينا الإقرار بأن جزءا من بسطاء شعبنا لا تصلهم سوى هذه الرسائل المزيفة، ولا تدركهم شهادات يجري تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يمتلكون - في مرحلة شديدة الالتباس - وسائل التمييز بين المزيف والصحيح، وهو ما يجعل الجنرال بمنظومته تزيد من تصدير الإشاعات والفرقعات والترويج للفضائح، حتى فضائحه وفضائح أشخاصه، لأنهم يعتمدون - كالتاجر الفاسد - على خلط الجيد بالخبيث، وعلى حرمان الشعب من وسائل التمييز بينهما فلا يجد بُدا من القبول ببضاعتهم الفاسدة.

وهو ما يُلقي على عاتق ابناء شعنا ممن يُريدون أن يؤدي الأمانة على أصولها، وأن يحققوا الشهادة كما يجب، وأن يتوبوا توبة نصوحا أن يُباشروا حملة توعية واسعة تواجه شبكة خلط البضائع، ليتعرف الناس من جديد على مطالب يناير وعلى ضرورة التغيير وعلى حتمية رحيل الجنرال ببضاعته.

هذه الحملة يجب أن تتجاوز شبكات التواصل الاجتماعي إلى الشوارع والميادين، يجب أن تنتقل للطرق على أبواب المواطنين وللتواصل بالكتابة على الحوائط أو في كتيبات توعية تصل لأكبر عدد من شعبنا؛ وبدعم التظاهرات السلمية المستمرة بمزيد من أدوات الوعي ووسائل التخاطب التي تصل لكل الأسماع وتتخلص من التقوقع في المفاهيم الشخصية أو الرؤى الفصائلية لتُصبح ضميرا متحركا لكل الوطن بكل آلامه وأحلامه.

نحن أمام مطالب يتوافق عليها الشعب، ولا نملك رفاهية الخطأ في الاجتهاد مرة أخرى، فمسعى كل من يؤمن بهذه المطالب يجب أن يُسفر عن رحيل تلك المنظومة النكدة وعن تحقيق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي داعبت جفون كل المصريين في 11 فبراير 2011 مع تنحي مبارك ، ولكن جرى إهدارها بانقلاب 3 يوليو 2013 الذي استفاد من أخطاء لم يعد جائزا أن تتكرر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.