المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد محسوب Headshot

ليست إما عسكر أو إخوان.. بل إما سلطوية أو مدنية

تم النشر: تم التحديث:

لا أعوّل كثيرا على ما تُصدره مراكز أبحاث غربية ترتمي في أحضان أجهزة استخباراتية وتستقي معلوماتها من أجهزة استخبارتية أخرى والتي مصدرها جميعا ما يصل إليهم من استخبارات النظام الانقلابي.. وتصدر تقاريرها دائما في أوقات مناسبة لتلك الأجهزة وغير مناسبة لثورة التغيير والإصلاح.

فجميعهم يتفقون على أن النزاع في جوهره إخواني سلطوي، ومن ثمّ يقدرون أنه لو توافق الطرفان ولو كان توافقهما توافقاً بين أعداء فسيمكنهما احتواء الأزمة! فهي بالنسبة لهم ليست ثورة وإنما أزمة بين فريقين..

وهم يحققون بالتسويق لهذا التصور المشوه عدة أهداف أهمها: أن يدخل الإخوان في تصارع داخلي بين ساعين للتسوية مع السلطة وساعين للبقاء ضمن صفوف ثورة الإصلاح؛ وأن تتثبت الصورة التي يُصدرها النظام منذ مبارك وفي عهد الانقلاب، أنه لا ثورة ولا يحزنون.. إنما هو صراع بين سلطة وإخوان.

والأخطر هو إرسال رسالة إحباط للجميع، فالمشارك في الثورة من غير الإخوان عليه التخلي عنها فورا لأنه ليس طرفا في هذا الصراع، والإخواني الذي يُشارك في الثورة يتحول إلى الإحباط أيضا لأنه يكتشف أنه وحيد في الميدان.

تُدرك تلك المراكز أن الثورة بدأت شعبية بامتياز بعيدا عن الإخوان وبعيدا عن كافة القوة السياسية التي أمضت ثلاثين سنة في حضن نظام مبارك دون أن تُحرك شعرة في رأس سُلطته الفاسدة. ويُدركون أن الحراك الذي بدأ منذ 2005 هيمن عليه الشباب من كل الانتماءات حتى إذا وصلنا لميدان التحرير في 28 يناير/كانون الثاني 2011 لم يكن بإمكان أحد أن يُميز إخواناً عن يسار أو ليبراليين.

وتُدرك تلك المراكز أن القوى السياسية بما فيها الإخوان لم يأتِ دورها إلا تالياً لفرض الثورة إرادتها على الجميع بضرورة التغيير، فتلقف الساسة الخيط لكنهم لم يُحسنوا إدارة عملية التغيير، خصوصاً عندما وضعوا ثقتهم في سلطة مبارك المتوارية عن الأعين لتُساعد في إحداث التغيير!

ويُدرك كل من يُساند الاستبداد أو من يؤازر الثورة أن عودة الثورة لحالتها الأولى -ثورة شعبية بمطالب جامعة واندماج القوى السياسية في الثوة دون تصدرٍ لها- هو ما يهزم الاستبداد ويُفقده ميزاته التي توفر له غطاء لعنفه وإرهابه وفساده.

ومن ثمّ فإن جزءا مهما بالمعركة، بل ربما إنه الجزء الأهم هو إعادة تكييف حقيقة الثورة بكونها شعبية لا طائفية ولا فصائلية؛ وبالتالي فإن الإستراتيجية المقابلة التي تستهدف إجهاض الثورة بالضرورة ستستند لمحاولة تحويل دفة الثورة إلى الطائفية وإلى الفصائلية وإلى تصويرها وكأنها نزاع بين سلطة (شرعية) وفصيل سياسي، ويمكن تسويته بينهما واحتواء (أعمال الشغب) ليبقيا خصمين منفردين بساحة السلطة وإدارة المعارضة.

هؤلاء يُسقطون تاريخ الثورة كاملا منذ 2005 حتى انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 ليحصرونا بين تاريخين، نزاع العسكر والإخوان في بداية خمسينات القرن الخالي ثم تقييمهم لمراكز الأطراف ابتداء من انقلاب 2013 وهو ليس تقييما مجحفا وظالما فحسب وإنما مُغرضا أيضا؛ إذ يتناغم مع تصورات مبارك بأن مصر ليس فيها إلا نخبته العسكرية والانكشارية من رجال الأعمال الفاسدين من جهة والإخوان المسلمون من جهة أخرى.. ثم يُسوقون عن قصد بأن هذه المُعادلة الظالمة باقية حتى اليوم، مُسقطين حقائق فرضتها ثورة يناير/كانون الثاني، وهي أن نظام القمع والفساد يواجه كل الشعب بكل طوائفه وطبقاته وأن ممثلين عن كل محافظات مصر وكل فئات الشعب، غنيها وفقيرها، خرج في 18 يوما متواصلة لإسقاط هذا النظام، ولم يقصد برحيل مبارك أن يختفي شخصه ويبقى نظامه، بل إن جزءا من الشعب قبل بقاء مبارك إن كان سيضمن اختفاء نظامه بعد خطابه العاطفي الشهير.

والآن عاد نظام مبارك نفسه وأبناؤه.. ونسخ جديدة بالآلاف من مبارك الرمز، ويحملون بأيديهم نفس دعاوى مبارك: حرب الإرهاب.. البديل لهم ليس سوى جماعة الإخون المسملين.. رحيلهم يعني الفوضى.. المشروعات الوهمية التي تبدد ثرواتنا.. مطاردة كل صاحب عقل أو رأي. بينما العالم مُستريح لتلك المسيرة التي تجعله ضامنا أن أمة كاملة ستظل في سجون الظلم والهوان، تُسلم إليه نفطها وذهبها ومقدراتها وعقولها الفذة وتستورد منه كل بخس وخائب.

بالطبع أنا لا أُبخس الإخوان أو غيرهم حقهم ولا دورهم الوطني ولا أشكك في دوافعهم التي جعلتهم جزءا من ثورة يناير/كانون الثاني، ثم جزءا لا يتجزأ من ثورة الشعب الحالية، ولا من كون الرئيس مرسي هو نتاج لإرادة شعبية صحيحة، ولا في موقفه البطولي الذي أعتبره بحق أساسا للجولة الثاني لثورة يناير، وإنما أضع الأمور في نصابها، فلربما استساغ البعض تسويق هذه الفكرة باعتبارها تُعظم دور الإخوان، لكن عليه أن يُدرك أنها نفس الفكرة التي تُستخدم لحصارهم بعيدا عن السياق الشعبي لثورة شعب كامل وحراك أمة كاملة.. كما يجري تسويقها ليستمر الدعم الغربي لنظام قمعي..

ومن جهتنا لا يُزعجنا أن يكون الرئيس أو الحكومة أو البرلمان من الإخوان كاملا أو من أي فصيل آخر، وإنما مصدر انزعاجنا للانبطاح أمام تسويق هذه الفكرة أنها تستر الحقيقة الواضحة، فنحن بالفعل أمام بديلين، لكنهما ليس إما العسكر أو الإخوان، وإنما إما نظام قمعي يستأثر بالسلطة والثروة ومصادرة القوة ومؤسسات الدولة، أو نظام مدني لا يمتلك سوى شرعية الاختيار الشعبي ولا يتحكم في مؤسسات الدولة ولا يسيطر على مصادر القوة خصوصا الجيش والشرطة.. فالبديل للوضع الحالي هو نظام ديمقراطي حُر ومدني يسمح لأي من شاء أن يحوز على الأغلبية في السلطتين التشريعية والتنفيذية ما دامت مصادر القوة تبقى محايدة.

أما الوضع القائم منذ ستين سنة - عدا سنتي الثورة - فهو أن المُمسك بالسلطة هو المهيمن على مصادر القوة.. فهو جنرال ينتمي للجيش ويلتزم الجيش بالولاء له، ومن ثمّ لا يمكن إقالته أو محاسبته أو الدخول في منافسة سويّة معه أو ملاحقته إذا خان الأمانة ووقع على وثائق تبدد أسباب الحياة على أرض مصر كما في وثيقة سد النهضة..

وإذا كنا رأينا آلافا خرجوا ضد الرئيس مُرسي دون أن تُطلق عليهم رصاصة فإن الآلاف الذين خرجوا ضد الجنرال السيسي جرى جرفهم بالجرافات وقتلهم برصاص حي.. هذا هو بالضبط ما يلخص خياراتنا..
وبالتالي فإن هدف ثورتنا وبديل سلطة القمع القائمة واضح وهو إقامة نظام ديمقراطي يقر فصلا أزليا بين شرعية الحكم وحيادية أدوات الدولة ومصادر قوتها.. بحيث لا تُستخدم الأخيرة لفرض وجهة نظر الأولى، وعندها فلن نخشى إن كان الرئيس أبيض أو أسود أو رماديا.. فهو لا يبقى إلا باختيار الشعب..

وأول خطوة لنجاح ثورتنا أن نفرض تصورنا لأطراف النزاع دون أن نقع في دعاية منظومة الاستبداد.. فنحن أمام سلطة استبدادية تحاول أن تفرض نفسها على شعب كامل.. ولسنا أمام عسكر وإخوان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.